الهيئة الوطنية للمصالحة الشاملة

مقدمة:
قال تعالى *(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء:114] وقوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً )[النساء:128 ـ 129] وقوله تعالى:(فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[الأنفال:1] وقوله تعالى:(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )[الحجرات:9-10]*.

وحديثا يعود تعبير المصالحة الوطنية إلى الزعيم الفرنسي التاريخي شارل ديغول، وقد استخدمه فيما بعد على التوالي كل من جورج بومبيدو وفرنسوا ميتران، وذلك عندما رسخ عندهما الاعتقاد بضرورة تحمل مسؤولية محو ديون وجرائم الماضي التي وقعت تحت الاحتلال أو إبّان حرب الجزائر.

بل إن كبار المسؤولين السياسيين الفرنسيين ما انفكوا يرددون نفس الخطاب الداعي إلى المصالحة عبر إقرار عفو عام يعيد بناء الوحدة الوطنية، وقد شكل اللازمة التي رافقت المنطق الإقناعي الذي تبناه جميع رؤساء الدولة ورؤساء الوزراء في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية وبلا استثناء، وقد كان هذا حرفياً خطاب السياسيين الفرنسيين الذين أصدروا بعيد اللحظة الأولى للتطهير، قرار العفو العام سنة 1951 عن الجرائم المرتكبة تحت الاحتلال.

ثم استخدم مانديلا هذا المفهوم في جنوب أفريقيا عندما كان ما يزال قابعاً في السجن، إذ رأى أن من واجبه أن يضطلع بنفسه بقرار التفاوض حول مبدأ إجراء العفو العام، الذي بدونه سيكون البلد عرضةً لمزيد من الاحتراق وإراقة الدماء التي سيقف وراءها الانتقام بكل تأكيد، غير أن العفو العام لا يعني الصفح بالقدر نفسه الذي لا تعنيه التبرئة أو العفو، فالمصالحة هي شكل من أشكال العدالة التصالحية التي تكون ضرورية لإعادة تأسيس الأمة على أسس شرعية قانونية وتعددية وديموقراطية في الوقت ذاته، لكن المصالحة تتطلب نوعاً من الصفح والشخص الوحيد الذي يملك صلاحية الصفح هو الضحية، ولا يحق لأي مؤسسة أن تتدخل كطرف ثالث.

لكن من ناحية ثانية، من له الحق في الصفح باسم الضحايا المختفين؟ فهم لن يحضروا لحظة طلب الصفح مثلما حضروا لحظة وقوع الجريمة، وأحياناً يطال الغياب حتى أجسادهم، بل غالباً ما يكون الموت هو مصيرهم، ولذلك إذا أردنا أن يصبح الصفح فعالاً وملموساً وتاريخياً، وإذا أردنا أن يقع ويحدث ليغير الأشياء فإنه يتعين أن ينخرط صفاؤه في سلسلة من الشروط المتنوعة السيكوسسيولوجية والسياسية والاجتماعية.

فعندما لا تشترك الضحية والجاني في نفس اللغة، وعندما لا يوجد شيء مشترك وكوني، يتيح لهما إمكانية التفاهم، فإن الصفح يبدو بلا معنى، مما يجعلنا أمام هذا الذي لا يقبل الصفح بصورة مطلقة، وإزاء استحالة فعل الصفح الذي هو التربة التي ينمو فيها مستقبلاً كل صفح ممكن وكي يكون هناك صفح، لا بد من وجود جهة يقع التفاهم فيها بين الطرفين حول طبيعة الخطأ، ومعرفة من هو الجاني ونوع الأذى الذي ارتكب وفي حق مَن، ثم ترعى هذه الجهة العفو والصفح وتزيد من خصوبة التربة التى نمى فيها الصفح وتنشره لما جاوره لتعم ثقافة الصفح والعفو. وهكذا ما ان تفهم الضحية، وما ان تحاوره وتكلمه وتتفاهم معه، حتى يبدأ مشهد المصالحة ويبدأ انتشاره من مكان لآخر حتى يعم كل المجتمع.
لكن الصفح يجب أن يكون مطلوباً لذاته، فمتى ارتبط الصفح بغاية، لا يعود صفحاً، إذ يصبح حينها مجرد استراتيجية سياسية أو نوعاً من الاقتصاد السيكوعلاجي.

إن ما حدث في ليبيا في سنة 2011 هو زلزال سياسي اجتماعي عنيف وجاءت توابعه أكثر عنفا وشراسة خلال السنوات الست الماضية الأمر الذي أدى إلى تمزق شبه كلي في النسيج الاجتماعي تمثلت مظاهره في التصدعات والانقسامات الحادة داخل البيت الواحد والأسرة الواحدة والقبيلة الواحدة، لذلك فإن الحل يبدأ بإعادة بناء المجتمع قبل بناء المؤسسات وهو ما يتطلب:

1- أسس للتعايش السلمي تتوافق عليها كافة المكونات السياسية والاجتماعية والثقافية بدون إقصاء او تهميش او احتراب او مغالبة، هذه الأسس تمثل الأساس المرجعي لكتابة الدستور واقرار التشريعات ووضع البرامج الحكومية .

2- مصالحة وطنية شاملة وعميقة تطوي صفحة الماضي القريب والبعيد وتركز الاهتمام نحو المستقبل دون الاسهاب في نقاش الاسباب فالزلازل عادة لا يسأل عن اسبابها.
ان المحاولات المتكررة والمستمرة منذ خريف 2011 اتجهت للقفز على إعادة بناء المجتمع بمحاولات بناء المؤسسات فأجريت 5 انتخابات متعاقبة ( مجالس محلية فالمؤتمر الوطني ثم المجالس البلدية وهيئة الدستور ومجلس النواب ) وتوالت حكومات عديدة، وللأسف النتيجة كانت تردي متواصل في الأداء وتعقيدا مركبا للمشهد وصولا لحالة الانهيار والسبب أن المرض في المجتمع ومحاولات العلاج اتجهت صوب المؤسسات.

إن أساس المؤسسات هو عقد اجتماعي توافقي ( اسس التعايش السلمي ) تتولى المؤسسات تطبيقه من خلال تحويل توافقاته إلى تشريعات وبرامج حكومية تستهدف تحقيق الأسس الكلية المتوافق عليها .

كما أن تشكيل المؤسسات واختصاصاتها والعلاقات بينها يأتي ترجمة لتلك الخطوط الكلية المتوافق عليها، أما عكس ذلك(محاولة بناء المؤسسات قبل إعادة بناء المجتمع ) فهو كمحاولة بناء برج بدون أساسات أو وضع العربة أمام الحصان، وكانت النتيجة هدر الوقت والجهد والموارد البشرية والمادية وزيادة تأزيم الموقف .

المصالحة الوطنية الشاملة تسوية تاريخية تضمن الاتفاق والشراكة على الشكل النهائي لتوزيع السلطة والثروة وقضايا الأرض والإدارة، وتتجسد بمبادئ والتزامات متبادلة تلتزم بها أطراف التسوية، وتستند الى أسس كالأمن الشامل مقابل المشاركة الشاملة والتسوية الشاملة وليس التنازل أحادي الجانب ومبدأ لا اقصاء لا تهميش لا احتراب ولا مغالبة بل ليبيا الواحدة بالجميع للجميع وسلمية الصراع بما يضمن اسقاط العنف كورقة سياسية.

ومن خلال تعدد تلك المبرّرات وتضارب الآراء، يتضح لنا أنّ المصالحة الوطنية الشاملة تتضمن ثلاثة جوانب:
أوّلهما: الاختلاف، فالاختلاف الفكري والعقائدي هما حالة صحية وإيجابية، على ألاّ يتحوّل إلى أزمة يتولد عنها العنف والعنف المضاد، إذ يخشى من عواقبه حينها.
وثانيهما: الصلح وهو الجانب الثاني من مفهوم المصالحة الوطنية الشاملة، فالخلاف مهما طال بين الأطراف السياسية والمسلحة، والأطراف المجتمعية، لا بد من إيجاد بديل توافقي في نهاية المطاف، على ألاّ تطول فترة الاختلاف، وعقد الصلح والالتقاء هما لمصلحة كل الأطراف، كي لا تستنزف طاقات وموارد مؤسسات الدولة بسبب استمرار الخلاف، ما يؤدي أيضاً إلى تعميق مشاعر الاحتقان، والحقد، ورفض الطرف الآخر. وثالثهم: العفو والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصلح والمصالحة، ولا يمكن استكمال خطوات الصلح من دون إبداء الرغبة واتخاذ الخطوات لتنفيذه، علماً بأنه أمر ضروري والعفو نوعان: عفو تصدره الدولة تجاه الأطراف السياسية، وعفو شخصي يبديه أهل الضحايا المتسامحون.

مبادئ المصالحة الوطنية الشاملة:
المصالحة ليست معادلة صفرية وخط شروع صفري بل تستند الى الثوابت التالية:

1- الإلتزام بوحدة ليبيا والحيلولة دون التماهي مع المشاريع الأجنبية التي تتعارض مع وحدة وسيادة ومصالح ليبيا او تحاول بث اسفين الفرقة والقسمة والتجزئة، فليبيا وطن واحد غير قابل للتقسيم وحماية وحدة التراب الوطني في حدوده المعروفة والمنصوص عليها في الوثائق القانونية الليبية واجب وطني على الجميع نساء ورجال.

2- القبول باستحقاقات العملية السياسية والنظام الديمقراطي كجوهر لإنتاج السلطات وأساس لبناء الدولة وادارة مؤسساتها على اساس من المواطنة ودولة المؤسسات.

3- قبول جميع الأطراف برفض الحكم الفردي والاسري والقبلي والإقصائي والتمييزي كنهج لإدارة الدولة في أي وقت من الأوقات، فالشعب الليبي هو صاحب القرار، وإرادته هي المرجعية الرئيسة في اختيار شكل دولته، ونظام حكمها وعلمها ونشيدها الوطني بموجب الدستور.

4- تحريم الدم الليبي خاصة فيما يتعلق بالصراع على السلطة، واحترام حقوق الانسان ومجمل الحريات السياسية والمدنية ورفض الاستقواء بالخارج، وفرض الآراء بالقوة.

5. إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، وحقّ عودة كل الليبيين المهجّرين والنازحين إلى أراضيهم وديارهم وممتلكاتهم وتعويضهم تعويضا عادلا مع تسوية مستحقاتهم كاملة.

6- نبذ العنف والتآمر والعدوان في حل المشكلات المجتمعية والسياسية واعتماد الحوار والآليات الديمقراطية لإدارة الخلاف والصراع بعيداً عن الإحتكام الى السلاح وادانة ورفض نهج التكفير والتخوين بحق أي من مكونات المجتمع الليبي.

7- الإلتزام بالثوابت الوطنية والإستعداد لإجراء التعديلات الدستورية وفق الآليات التي تسهل الوصول للمصالحة الوطنية الشاملة والدائمةٍ.

8- إدانة وتجريم ومحاربة الارهاب بكل أشكاله والعنف والفساد الذي يستهدف الليبيين ومؤسسات الدولة وعدم إضفاء الشرعية أو المشروعية على تلك الأعمال.

9- سيادة القانون وتجميع السلاح وحصره بيد الدولة ومؤسساتها العسكرية والامنية وعدم السماح بوجود كيانات مسلحة خارج إطار الدولة والغاء ما هو قائم منها بقرارات من ادارات الدولة المتعاقبة وتجريم القائم من الميليشيات المشكلة بدون قرارات من الدولة واداراتها المتعاقبة.

10- القبول باستحقاق التعدديات المختلفة على قاعدة المواطنة كمنظومة حقوق وواجبات متكافئة بما يعزز الإنتماء والولاء والهوية الوطنية.

اسس المصالحة الوطنية الشاملة:
من اجل ضمان مصالحة حقيقية راسخة تؤكد قبول الجميعٍ لابد من استحضار الأسس التالية:

1- المصالحة الشاملة وليس التنازل أحادي الجانب.

2- مبدأ لا اقصاء لا تهميش لا احتراب ولا مغالبة.

3- الأمن الشامل مقابل المشاركة الشاملة.

4- الانهاء الكلي للأزمات بين القوى المتفاوضة.

5- التنازلات المؤلمة من جميع الأطراف.

6- سلمية الصراع بما يضمن اسقاط العنف كورقة سياسية لتحقيق التسويات السياسية.

7- المصالحة أفضل الحلول وأقلها تكلفة وبديلها خسارة للجميع والتي تعني عدم الإستقرار أو الحرب الأهلية أو تقسيم الدولة.

الاجراءت الداعمة لقيام المصالحة الوطنية الشاملة:
لقد عُدت المصالحة الوطنية الشاملة في البلدان التي مرت بحروب أهلية خياراً استراتيجياً لتجاوز مرحلة الماضي والانطلاق في عملية البناء، ولكل دولة تجربتها الخاصة في موضوع المصالحة الوطنية، ولكن هذا لا يفقد التجارب بعض المشتركات الاساسية التي تسهم في تغذية التجارب الوليدة حالياً وفي المستقبل.

واختيار المصالحة الوطنية الشاملة نهجاً للتجانس والتوحد ومنع الانقسام، دون تحميل إرادة المصالحة على طرف واحد، بل لابد من توفر ارادة حقيقية لكل الأطراف وهذا ما نفتقده في المصالحة الوطنية الشاملة في ليبيا بسبب:

1. فقدان عنصر الثقة بين الاطراف المختلفة والمتخالفة.

2. عدم الرغبة في التخلي عن المراكز الاجتماعية والوظيفية لأغلب الاطراف المسيطرة على المشهد السياسي والاجتماعي وهي متعددة.

ولكي تكون المصالحة الوطنية شاملة، فاعلة ومثمرة لابد من توفر شروط أساسية:

اولاً – الإرادة الجدية للانتقال بالمصالحة الوطنية من شعار وكلمات رنانة الى منهج وسلوك تصاحبه حملة اعلامية لتحضير الرأي العام لقبول المصالحة.

ثانياً – الرغبة في التنازل عن بعض الحقوق والامتيازات بصورة متبادلة من اجل تجاوز عقدة التشدد او الاستحقاقات الاقليمية والمكانية والفئوية.

ثالثاً – القيام بعملية تحقيق العدالة الاجتماعية وخلق شعور بعدم وجود خاسر في المصالحة الوطنية، ومع هذا فان المصالحة الوطنية تواجه عقبات حقيقية منها دستورية تتطلب مشاركة الجميع في تجاوزها عن طريق تعديل الدستور بما لا يتعارض مع الديمقراطية على أن لا تكون الصيغة المعتمدة هي ديمقراطية التوافق، كما انها تواجه أيضا مسألة عدم الإجماع على أهميتها من قبل الأطراف الليبية مع إن الكل يرفع شعارها، كما انه لا توجد رؤية موحدة لها في داخل كل مكون من المكونات الوطنية مما يجعلها تحتاج الى رؤية شاملة لحل المشكلات التي أفرزتها العملية السياسية الحالية.

ولكي تتحقق المصالحة الوطنية الشاملة لابد ان تتخذ اجراءت جادة في ما يلي:

1. حفظ الذاكرة الوطنية من خلال كشف حقيقة انتهاكات حقوق الانسان، بما فيها انتهاكات الحقوق الثقافية، واللغوية، وجرائم الفساد وتوثيقها، والكشف عن مصير المفقودين، والضحايا، والمتضررين من الانتهاكات، والعمليات الحربية، والنزاعات المسلحة على مستوى الافراد والمناطق، ويعني حفظ الذاكرة تخليد الذكرى؛ التي تعتبر إحدى أهم آليات العدالة التصالحية، إذ يتمحور حولها انتقاء واقعة، أو حدث، وحسبانها مناسبة قومية، أو تشييد نصب تذكاري بصورة رسمية، أو بناء جدارية من جانب المجتمع لتذكر ضحايا الانتهاكات، وتاريخ الصراع الدامي حرصاً على عدم تكراره، ولتكريم ذكرى الضحايا، وقد تشتمل هذه المبادرات النصب التذكارية، والمتاحف، والأيام، والاحتفالات التكريمية، كما يمكن أن تشمل إعادة تسمية المرافق العامة، والشوارع، والأماكن بأسماء الضحايا، وعادة ينبع الحرص على تبني تخليد الذكرى من الأسباب الاتية:
- إحياء ذكرى الضحايا حيث تتضمن مبادرات تخليد الذكرى لاستحضار الضحايا في الضمير العام للمجتمع والحيلولة دون نسيانهم، او التغافل عن مسئولية مرتكبي الانتهاكات بحقهم.
- الارتقاء بالوعي المجتمعي من نشر الوعي المجتمعي حول بشاعة الصراع الأهلي والغبن الواقع على الضحايا ومسئولية المجتمع في ضمان عدم تكرار هذا الاحداث.
- يمثل أحد أنماط جبر الضرر المعنوي للضحايا، من خلال إعادة الرواية التاريخية الرسمية بصورة تحفظ لهم مكانتهم في الوعي العام.
- دعم التغيير القيمي، وإشاعة ثقافة السلام، والتعايش بالتوازي مع الإجراءات القانونية من قبيل إجراء المحاكمات.

2. التزام الدولة بتعويض الضحايا والمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تعويضا مناسباً للضرر، وتتنوع التعويضات إلي تعويضات مادية، ورمزية، وتعويضات فردية، وجماعية، ومعالجة للآثار النفسية والاجتماعية، وإعادة تأهيل الضحايا، ورد الاعتبار لهم، مع مراعاة ما تم من إجراءات إدارية، وقضائية سابقة، دون الإخلال بحق الدولة في الرجوع على مرتكبي الانتهاكات، بما يساعد على تخطي تبعات الانتهاكات، والتركيز على المستقبل، من خلال العمل على إعادة تأهيل الضحايا، وتأمين حياة أفضل لهم وتشمل هذه الاليات الاتي:
- إعادة الحقوق: مثل الحرية والمواطنة، والافراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين، وإعادة الأملاك التي تم الاستيلاء عليها بصورة قسرية.
- إعادة التأهيل: وتتضمن إجراءات إعادة دمج الضحايا في المجتمع مثل الرعاية الطبية، والصحية اللازمة.
- الترضية المعنوية: وتتضمن هذه الفئة إجراءات متعددة يأتي في مقدمتها وقف الانتهاكات، والتثبت من الحقائق، والاعتذارات الرسمية، والاحكام القضائية السائدة لرد الاعتبار، وإبراء ساحة الضحايا، والافصاح التام عن الحقبة امام الشعب، والبحث والتعرف وإعادة جثث القتلى، او العثور على المفقودين.

3. استرداد الحقوق، وإعادة رفات ضحايا الحروب، والملاحقة الجنائية بما يضمن
حقوق من غصبت، أو انتزعت ممتلكاتهم الثابتة، والمنقولة.

المصالحة الوطنية الشاملة تعتبر آلية لحل النزاع، وهي بديل ونقيض لآلية القوة التي تفضلها العقليات التي لا تؤمن بالآخر. وبين استخدام القوة، واستخدام المصالحة الوطنية الشاملة، هناك آليات أخرى تدخل بين هذين النقيضين، إذ إن هناك آليات المقاضاة والوساطة والتوسط والتحاور والتفاوض والتحكيم، وهناك خليط بين هذه الآليات.

بالنسبة إلى آلية القوة المفضلة لدى البعض، فإنها تعتمد على استخدام القمع المباشر لتصفية وجود الآخر أو إذلاله عبر تلقينه درساً لا ينساه إلى الأبد ووضعه في مستوى متدنٍّ جدّاً أسوأ مما كان عليه قبل بدء النزاع، بحيث يتأسف أنه فكر في الدخول في حلبة النزاع. هذه الآلية تؤمن بأن إخضاع الآخر وإذلاله هي أفضل وسيلة حتى لو تطلّب ذلك إنهاك كل الإمكانات من أجل توفير القوة القامعة التي تخسف الأرض ومن عليها وتؤدّب أي جهة تفكر في الاعتراض على مجريات الأمور.

أمّا آلية المصالحة الوطنية الشاملة فإنها تسعى إلى معالجة جذور ما حدث لكي تمنعه من الحدوث مرة أخرى، هذا يتطلب الاعتراف بالآخر، والاعتراف بأن هناك اسباب مشروعة للاعتراض على مجريات الأمور، وأن هناك أخطاء قد حدثت، وربما أن الأخطاء تطورت إلى انتهاكات جسيمة، وهذه تحتاج إلى تقصّي الحقائق، ومن ثم اتخاذ خطوات تصحيحية مباشرة تهدف إلى جبر الضرر ومعالجة الخلل الذي أدّى إلى نشوب النزاع في البداية.

ويجب على آليات المصالحة الوطنية الشاملة ان تطرح قاعدة أساسية، وهي اعتماد مواثيق حقوق الإنسان كإطار أساسي لا يمكن تجاوزه فمثلاً، لا يمكن لطرف أن يقول: لا يمكنني أن أعاملك على أساس المساواة أمام القانون لأن هناك جماعة ستزعل، كما لا يمكن القول: لا أستطيع أن أتوقف عن إيذائك لأن هناك جماعة اعتمدت عليه في الماضي تطالبني بالقضاء عليك، كما لا يمكن القول: لا أستطيع أن أرجعك إلى وظيفتك لأن آخرين اعتمدت عليهم لا يرضون بذلك، فمثل هذه التعابير كلها ضد حقوق الإنسان، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في ديباجته على أن جميع أعضاء الأسرة البشرية لهم كرامة أصيلة فيهم، وحقوق متساوية وثابتة، تشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وأن تجاهل حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال أثارت شراستها ووحشيتها الضمير الإنساني.

ومن اجل التطبيق الأمثل للمصالحة الوطنية الشاملة والعدالة التصالحية في ليبيا يستوجب أن يتم تبني مزيج من آليات العدالة العقابية، والعدالة الانتقالية والعفو العام على نحو يراعي ظروف المجتمع الليبي ويتناسب مع درجة وجسامة ما ألم به من انتهاكات لحقوق الانسان، ومن أهم ما يجب مراعاته عند اختيار تلك الآليات أن تؤدي الى تحقيق الأهداف الرئيسة للمصالحة الوطنية الشاملة والعدالة التصالحية، وهي الحد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، ومنع تكرارها، ونهج المصالحة الوطنية الشاملة يسعى لإيجاد حلول للقضايا الأساسية في الصراع، ويعمل أيضاً على تغيير علاقات الخصوم من الحقد والعداء والكراهية إلى المحبة والوئام والشراكة، وأن يكون الجميع على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، وأهداف المصالحة الوطنية الشاملة وآليات تطبيقها تتسم بالتعدد والتمايز، وهو ما يستلزم بلورة استراتيجية وطنية شاملة وواضحة المعالم، تحدد الأهداف المتوافق عليها ووسائل التغلب على المعوقات في سبيل تحقيق المصالحة، مع تحديد دور المؤسسات المعنية في الاضطلاع بتلك الآليات والإجراءات وفقا لخطة عمل منضبطة، ولعل ذلك البعد يرتبط أيضا بغياب الكوادر المتخصصة في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وصولا لتطبيق آليات العدالة التصالحية، وفقا لأبعاد عدة، خاصة الحقوقية والأمنية والقضائية، وأيضاً بسبب غياب البعد المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي الفاعل لدى أجهزة الدولة، بل قد يتم تعيين العناصر المحسوبة على ذوى الحظوة بدلا من تعيين ذوى الكفاءة، على نحو يجعلها أقرب إلى العدالة الانتقامية.
إن عدم الكشف عن الحقيقة يؤدى إلى عدم الشعور بالأمان في المجتمع، وهو ما يقود بدوره إلى عدم الاستقرار الداخلي، لأن غلق الملفات دون إظهار الحقيقة يفتح الباب للثأر الفردي والانتقام الشخصي والتوتر المجتمعي والاحتقان، وتتمثل الميزة الرئيسية التي توفرها آلية معرفة الحقيقة في أنها تساهم في فضح انتهاكات وتجاوزات الماضي، ومن ثم مواجهتها أو الصفح عنها بما يحقق قدرا من الرضى لدى المواطن العادي، ويساهم في بلوغ المصالحة الوطنية الشاملة، على النحو الذى حدث في تجربة جنوب أفريقيا وكذلك يتوجب مصاحبة هذه الاجراءت التصالحية بأنشطة مجتمعية وخطاب اعلامي تصالحي مهني جاد.

العناصر الاساسية للخطاب الاعلامي:
1. المصالحة الوطنية حل استراتيجي وصيغة انقاذ للمجتمع والدولة لا بديل عنها سوى الإحتراب الداخلي والمغالبة أو تجزئة وتقسيم الدولة، واعتبار المصالحة الوطنية الشاملة تسوية تاريخية تلبي طموح كل الليبيين وتحقق العدالة ومصالح الجميع بما يضمن وحدتهم وعيشهم السلمي.

2. ايجاد شراكة بين هيئة المصالحة الوطنية الشاملة والمؤسسات والأوساط الإعلامية والثقافية للنهوض بمشروع المصالحة وأهدافه ولجعل المصالحة الوطنية مطلباً جماهيرياً على مستوى التبني والمطالبة والضغط.

3. ترسيخ الخطاب الوطني والإنساني الإعلامي والثقافي والديني المعزز لقيم التسامح والعفو وقبول الآخر والسلم الأهلي والابتعاد عن الخطاب التفريقي والفئوي التحريضي.

4. ترسيخ القيم الديمقراطية المدنية والعدالة الإجتماعية، وتأكيد قيم العدالة والمساواة والتكافؤ والتسامح والعفو والحوار والإحترام المتبادل بين الليبيين كقواعد تحتية مُنتجة للتعايش، وتعميق حس وثقافة الإلتزام بسيادة ونفوذ وتنفيذ القانون بدل العادات والتقاليد المؤسسة للثأر والإنتقام الهادم للسلم والوئام المجتمعي.

5. نبذ العنف والتآمر والعدوان في حل المشكلات المجتمعية والسياسية واعتماد الحوار والآليات الديمقراطية لإدارة الخلاف والصراع بعيداً عن استخدام السلاح، وإدانة وتجريم ومحاربة الارهاب بكل اشكاله والعنف والفساد الذي يستهدف ابناء ليبيا ومؤسسات الدولة وعدم إضفاء الشرعية أو المشروعية من قبل جميع الأطراف على تلك الأعمال، وادانة ورفض نهج التكفير والتخوين بحق أي من مكونات المجتمع الليبي، وسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وعدم السماح بوجود كيانات مسلحة خارج إطار الدولة، فتلك هي الدعائم أساسية لخلق بيئة قانونية ومجتمعية مسالمة ومتعايشة.

6. ترسيخ القيم الفكرية والثقافية والتربوية المتصلة والمغذية لمبادئ التعددية وقبول الآخر والتعايش والسلام لهدف تغيير مقاييس وآليات ونتائج النظُم المجتمعية المؤسسة لإقصاء الآخر إنطلاقاً من الإختلاف والخلاف.

7. العمل على إزالة المفاهيم القبلية والمناطقية الضيقة باعتبارها المغذية للكراهية والعنف والتصادم من خلال إعادة إنتاج مبدأ المواطنة بشكلٍ كامل كمنظومة متكاملة ثقافياً وسياسياً وإجتماعياً، والهدف هو تشكيل تيار توعوي بنّاء على الصعيد الجماهيري والنخبوي لإعادة تشكيل الشخصية المجتمعية على أرضية المواطنة والقانون.

8. تدعيم مشروع الدولة كإطار وطني ضامن للوحدة والمصالح الوطنية العليا، وتدعيم شرعية الدولة وسيادتها كمؤسسة وطنية ممثلة للجميع بعدالة ومساواة وتكافؤ، وعدم الركون الى مشاريع قبائلية اقليمية على حساب الدولة ككيان وطني جامع.

ونخلص من كل ذلك الى ان المصالحة الوطنية الشاملة في ليبيا ضرورة ملحة للغاية فهي التي تُنشئ العلاقات الصحية بين الأطراف السياسية والعسكرية المختلفة والمتخالفة، وهي عملية توافق وطني بامتياز ولكنها لن تتحقق بالأماني أو بالادعاءات بل تحتاج إلى آليات محددة واضحة لتوظيف مواقف تصالحية من كل الأطراف وفق مجموعة من الإجراءات العملية التي تهدف إلى الوصول إلى نقطة الالتقاء وهي نقطة اللاعودة إلى النزاع المليشياوي المسلح، واستيفاء الحق بالذات، وتترك فيها الاسلحة لتحتكر في المؤسسات العسكرية والامنية، المصالحة التي تتأسس على حوار حول مستقبل عنوانه استعادة الوطن وإنقاذه من براثن الفوضى والارهاب والعبث المحلي والاجنبي، ويؤسس لتوافق ليبي للتعايش السلمي بين الليبيين.

تكوين الهيئة الوطنية للمصالحة الشاملة:
لكل ذلك ولكي نتمكن من الوصول للمصالحة الوطنية الشاملة فانه لابد من اصدار قانون بإنشاء واقامة هيئة وطنية للمصالحة الشاملة من 100 الى 150 شخصية وطنية من مختلف التوجهات والاطراف المختلفة والمتخالفة تتوفر فيها الرمزية الاجتماعية والمصداقية تكون الجمعية العمومية للهئية لا عمل لها سوى الاهتمام بهذا الموضوع الهام واتخاذ الإجراءات اللازمة لإنجاحه وتشكيل هياكله والبحث عن آليات تناسب العمل وتحقق النتائج المرجوة.

ان تكوين هيئة وطنية للمصالحة الشاملة والعمل على إصدار قانون العدالة التصالحية والعدالة الانتقالية وإعادة النظر في كل التشريعات المانعة للمصالحة والاستقرار ستكون اللبنة الأولى التي يسعى (الحراك الوطني نعم ليبيا) لتكوينها.

وتكون الهيئة مستقلة وذات شخصية اعتبارية وان تنشأ بقرار من الاجسام التشريعية وتكون موازية للأجهزة التنفيذية وليست تابعة لها، وان تكون لها ميزانيتها الخاصة، وللهيئة انشاء صندوق مالي لتعويض الضحايا والمتضررين كما يجوز لها المطالبة بتكوين هيئة قضائية للعدالة التصالحية اذا رأت ضرورة لذلك، وتدار الهئية كالاتي:

مجلس ادارة من 7 اعضاء يتم اختيارهم من الجمعية العمومية كالتالي:
اولا: رئيس مجلس ادارة الهئية.
ثانيا: نائب للرئيس.
ثالثا: مقرر للهئية.
رابعا: 4 أعضاء.

كما يكون للهئية نظام داخلي ولوائح مالية وادارية وهيكل اداري من مجموعة من الادارات والمكاتب والاقسام تعتمد من الجمعية العمومية للهئية وبما يساعد الهئية على القيام بمهامها كما يجوز للهئية افتتاح فروع بكل بلديات ليبيا او مكاتب بالخارج وحسب احتياجات العمل.

برنامج عمل الهيئة الوطنية للمصالحة الشاملة:
تقوم الهيئة وفقا لأسس ومبادئ المصالحة الوطنية الشاملة واستراتيجيتها بتحقيق ومتابعة وتنفيذ المصالحة الوطنية ورعاية والمشاركة في كل محاولات منظمات المجتمع المدني وغيره من مجالس وهيئات وتنظيمات وبالتعاون الوثيق مع كل الاطراف ذات العلاقة داخل العملية السياسية وخارجها بصفة مباشرة أو عبر وسطاء لغرض ايجاد تفاهمات أولية لإنجاز المصالحة الوطنية، وللهيئة الاستعانة بالخبرات الاجنبية وخاصة من تلك الدول التي مرت بذات ظروف وطننا واستطاعت طي صفحات الماضي والوصول لمصالحات شاملة، وتعتمد الهيئة الحوار الوطني اساسا لعملها، وعلى ان لا تعلن الهيئة عن لقاءاتها تلك وتفاهماتها للإبتعاد عن المناكفات أو المزايدات والاسقاطات السياسية التي يمارسها البعض، وكلما تمخضت تلك الجهود عن تفاهمات ومطالب أولية ستكون قاعدة للتفاوض ويضاف لها أو يتم تطويرها خلال سير المفاوضات، وعلى ذلك يتم وضع خطة عملية لإنجاز اتفاق مصالحة نهائي بين الأطراف من مجموعة مراحل، وذلك بتحديد دقيق للأطراف المختلفة والمتخالفة والمتحاربة والمتصارعة، ثم تحديد تمثيل تلك الاطراف والقوى التفاوضية للمضي قدماً بباقي المراحل وبالذات مرحلة التفاوض المباشر التي تتضمن دعوة الممثلين المعتمدين لطاولة المفاوضات المباشرة، واعتماد ثلاثة محاور للمفاوضات.

الأول: الإتفاق على مبادئ وأسس التسوية واسس ومبادئ المصالحة الوطنية الشاملة والمذكورة في هذه الورقة.

الثاني: الإتفاق على جدولة للإلتزامات المتبادلة بين الأطراف وبسقوف زمنية محددة لتنفيذ المطالب التي توافقت عليها الأطراف، ثم الخروج بصيغة اتفاق نهائي على المبادئ والمطالب والجدولة المتبادلة، وصولا لميثاق وطني شامل يكون اساسا لدستور ليبيا وتعايش ابناء الوطن في محبة ووئام.

الثالث: اعادة النظر في كل النصوص الدستورية وتشكيل لجنة قانونية للتوفيق بينها واعداد مسودة نهائية بالتوافق مع الهيئة التأسيسية للدستور.

There are no comments posted here yet

أترك تعليق

  1. Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
Attachments (0 / 3)
Share Your Location