الجمعية الوطنية التأسي
مبادرة وطنية لاستعادة الدولة وإنهاء المراحل الانتقالية
من تعدد السلطات إلى سلطة الدولة، ومن شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الشعب
أولاً: لماذا نحتاج إلى جمعية وطنية تأسيسية؟
لم تعد الأزمة الليبية مجرد خلاف على حكومة أو تنازع على المناصب أو اختلاف حول قوانين الانتخابات. لقد تحولت إلى أزمة عميقة في شرعية الدولة ومؤسساتها، وفي قدرتها على توحيد القرار الوطني وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة.
وعلى امتداد سنوات، أخفقت الأجسام السياسية القائمة في التوصل إلى توافق مستدام يفضي إلى انتخابات عامة، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس دستوري وديمقراطي. وأصبح استمرار الوضع القائم يهدد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة، ويعمّق الانقسام السياسي والمؤسسي والاجتماعي.
إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب العودة إلى المصدر الأصلي للشرعية، وهو الشعب الليبي صاحب السيادة ومصدر السلطات، والبحث عن إطار وطني جامع يستطيع أن يتجاوز الاستقطاب، ويضع الأسس اللازمة للانتقال من تعدد السلطات إلى دولة المؤسسات والقانون.
من هنا تأتي مبادرة الجمعية الوطنية التأسيسية، باعتبارها إطاراً وطنياً مؤقتاً ومستقلاً، يتولى مهمة تأسيسية محددة، تتمثل في التوافق على المرجعيات الوطنية والدستورية والسياسية التي تقود إلى إنهاء المراحل الانتقالية وإقامة دولة مستقرة ذات شرعية دستورية دائمة.
إن الحاجة إلى الجمعية ليست حاجة إلى جسم سياسي جديد يضاف إلى الأجسام القائمة، بل إلى مسار وطني ينهي الحاجة إلى استمرار الأجسام الانتقالية ذاتها.
ثانياً: ما هي الجمعية الوطنية التأسيسية؟
الجمعية الوطنية التأسيسية هي هيئة وطنية تأسيسية مؤقتة ومستقلة، تضم ممثلين عن مختلف مكونات الشعب الليبي ومناطقه وتياراته، وتعمل وفق اختصاصات محددة ومدة زمنية معلومة.
وتتمثل مهمتها في قيادة حوار وتوافق وطني شامل حول الأسس الدستورية والسياسية والمؤسسية للدولة الليبية، وإقرار الوثائق التأسيسية اللازمة للمصالحة الوطنية وبناء الثقة وتوحيد الدولة، واستكمال المسار المؤدي إلى دستور دائم وانتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة.
وتقوم فكرة الجمعية على المبادئ الآتية:
أن الشعب الليبي هو مصدر الشرعية والسيادة.
أن وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها ثوابت وطنية لا تقبل التجزئة.
أن المواطنة المتساوية وسيادة القانون أساس بناء الدولة.
أن التوافق الوطني والحوار هما الطريق لمعالجة الانقسام.
أن المشاركة الوطنية يجب أن تكون شاملة، دون إقصاء أو تهميش.
أن تكون مهمة الجمعية تأسيسية ومؤقتة ومحددة الاختصاص والمدة.
أن تكون مخرجاتها خاضعة للإرادة الشعبية وفق آليات قانونية واضحة.
الجمعية ليست برلماناً بديلاً، ولا حكومة جديدة، ولا سلطة موازية، ولا جسماً إضافياً للصراع السياسي.
إنها إطار تأسيسي مقترح لتنفيذ توافق وطني، وإنهاء المرحلة الانتقالية، والعبور إلى الشرعية الدستورية الدائمة.
ثالثاً: ما مشروعية الجمعية الوطنية التأسيسية؟
تستمد الجمعية مشروعيتها السياسية والوطنية من إرادة الليبيين وحقهم في تقرير مستقبل دولتهم، ومن الضرورة الوطنية لإنهاء الانقسام والمراحل الانتقالية والوصول إلى مؤسسات دائمة تستند إلى الشرعية الشعبية والدستورية.
كما تنطلق المبادرة من الحاجة إلى استكمال المسار السياسي والدستوري، ومعالجة أسباب الانسداد، وتهيئة الظروف اللازمة للانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
ولكي تتحول هذه المشروعية الوطنية إلى إطار مؤسسي قابل للتنفيذ، ينبغي أن يتم إنشاء الجمعية من خلال ترتيب وطني توافقي واضح، ينسجم مع الأطر الدستورية والسياسية القائمة، ويحدد أساس إنشائها واختصاصاتها ومدة عملها وآليات اعتماد مخرجاتها.
ويجب أن يستند هذا الترتيب إلى قبول وطني واسع، ومشاركة حقيقية لمكونات المجتمع الليبي، وضمانات قانونية وإجرائية تحول دون تحول الجمعية إلى سلطة غير محددة الاختصاص أو المدة.
إن الشرعية التي تسعى إليها المبادرة ليست شرعية الاعتراف الخارجي وحده، ولا شرعية الأمر الواقع، بل شرعية وطنية تنبع من الليبيين، وتتجسد في توافقهم، وتكتسب قوتها النهائية من اعتماد الشعب لمخرجاتها وفق الآليات القانونية المعتمدة.
رابعاً: كيف تتشكل الجمعية الوطنية التأسيسية؟
يقوم التصور المقترح على مرحلتين مترابطتين:
1. اللجنة التحضيرية الوطنية المستقلة
تُشكّل لجنة تحضيرية وطنية مستقلة من 21 إلى 30 عضواً، من الشخصيات الوطنية المشهود لها بالنزاهة والكفاءة والمصداقية، ومن خلفيات فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية متنوعة، بما يعكس التنوع الوطني الليبي.
وتنتخب اللجنة منسقاً لها في اجتماعها الأول، وتعمل باستقلالية عن الأجسام السياسية والتنفيذية القائمة.
وتتولى اللجنة إجراء مشاورات وطنية واسعة مع مختلف مكونات المجتمع الليبي والقوى السياسية والاجتماعية، دون إقصاء أو تهميش، بهدف الوصول إلى تشكيل جمعية جامعة تمثل الليبيين بمختلف مناطقهم وتياراتهم ومكوناتهم.
ويكون الاختيار على أساس التمثيل والكفاءة والنزاهة والتنوع والتوازن الوطني، لا على أساس المحاصصة الجهوية أو الحزبية.
ويراعى في اختيار أعضاء اللجنة التحضيرية الابتعاد عن أطراف الصراع السياسي والعنف، وشاغلي المناصب القيادية في الأجسام السياسية والتنفيذية القائمة، وأعضاء التشكيلات المسلحة، وكل من تنطبق عليه معايير الاستبعاد الواردة في الوثيقة التأسيسية.
مهام اللجنة التحضيرية:
إجراء المشاورات الوطنية اللازمة لتشكيل الجمعية.
تحديد أعضاء الجمعية وفق معايير التمثيل والكفاءة والنزاهة والتنوع.
إعداد الوثائق التأسيسية الرئيسية، بمساعدة الخبراء والمختصين.
إعداد مشروع اللائحة الداخلية للجمعية.
وضع جدول زمني ملزم لأعمال الجمعية.
تهيئة المتطلبات القانونية والفنية واللوجستية لبدء أعمالها.
إعداد خطة للتواصل والحوار المجتمعي تضمن مشاركة المواطنين والتعريف بمراحل العمل ومخرجاته.
وتنتهي مهمة اللجنة التحضيرية بانعقاد الجمعية وانتخاب هيئتها وبدء أعمالها، لتنتقل إليها مسؤولية المرحلة التأسيسية.
2. الجمعية الوطنية التأسيسية
تتشكل الجمعية وفق آلية وطنية معتمدة، وتكون هيئة تأسيسية مؤقتة ومستقلة، لا يزيد عدد أعضائها عن 150 عضواً، وتمثل مختلف مكونات الشعب الليبي ومناطقه وتياراته.
ويجب أن يضمن أسلوب تشكيلها المشاركة الواسعة والتوازن الوطني، وأن يعكس التنوع الليبي، مع تجنب الإقصاء والتهميش والمحاصصة التي تعيد إنتاج الانقسام.
وتكون عضويتها مؤقتة وتأسيسية، ولا تتحول إلى وظيفة سياسية دائمة أو امتياز، ويعمل أعضاؤها وفق لائحة داخلية وضوابط واضحة.
خامساً: ما أهداف الجمعية؟
تتمثل الأهداف الرئيسية للجمعية الوطنية التأسيسية في:
وضع الأسس العامة لبناء دولة ليبية موحدة ومدنية وديمقراطية وكاملة السيادة.
ترسيخ المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
التوافق على الوثائق التأسيسية التي تشكل المرجعية الوطنية والسياسية والدستورية للمرحلة المقبلة.
معالجة جذور الانقسام السياسي والمؤسسي والاجتماعي.
وضع إطار وطني شامل للمصالحة وبناء الثقة والسلم الأهلي.
تحديد المبادئ والأسس اللازمة لإعداد دستور دائم.
تهيئة البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
إنهاء المراحل الانتقالية وتسليم السلطة إلى مؤسسات منتخبة ذات شرعية دستورية دائمة.
سادساً: ما اختصاصات الجمعية ومخرجاتها؟
تتولى الجمعية، من خلال الحوار والتوافق الوطني، إعداد وإقرار مجموعة من الوثائق التأسيسية التي تعالج القضايا الكبرى لبناء الدولة.
1. الميثاق الوطني للعيش المشترك والسلم الأهلي
وثيقة تؤكد وحدة ليبيا وسيادتها، وترسخ المواطنة المتساوية، وترفض الإقصاء والعنف السياسي، وتضع الأسس الأخلاقية والوطنية للتعايش بين الليبيين.
2. الوثيقة الوطنية للمصالحة الشاملة والعدالة التصالحية
تحدد المبادئ والآليات اللازمة لمعالجة آثار النزاع، وجبر الضرر، وتعزيز الثقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإرساء السلم الأهلي، وفق مبادئ العدالة واحترام حقوق الإنسان.
3. الرؤية الوطنية الجامعة للمستقبل المشترك
تضع تصوراً مشتركاً لليبيا المستقبل، وأولويات بناء الدولة ومؤسساتها، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتعليم والصحة، والإدارة الرشيدة، وتحدد إطاراً عاماً لبرنامج وطني لتنفيذ هذه الرؤية.
4. وثيقة أسس الحكم المحلي واللامركزية والتنمية الوطنية المتوازنة
تحدد المبادئ المنظمة للعلاقة بين السلطات المركزية والمحلية، وتدعم المشاركة المحلية والإدارة الرشيدة، وتضمن عدالة توزيع الموارد وفرص التنمية بين مناطق البلاد.
5. وثيقة المبادئ والأسس الدستورية
تحدد المبادئ التي يستند إليها إعداد الدستور الدائم، بما يشمل وحدة الدولة، وشكل نظام الحكم، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والحقوق والحريات، وسيادة القانون، والضمانات الدستورية للمواطنة المتساوية.
6. وثيقة بناء الثقة بين الأطراف والمكونات الليبية
تتضمن تدابير متبادلة لمعالجة المخاوف، وتخفيف التوتر، وتعزيز الثقة بين الأطراف، وتهيئة البيئة السياسية والأمنية اللازمة للانتقال إلى الانتخابات.
7. وثيقة تمكين المرأة والشباب وأصحاب الهمم
تؤكد حق هذه الفئات في المشاركة الفاعلة في بناء الدولة وصنع القرار، وتضع المبادئ والضمانات التي تكفل حضورها في الحياة العامة والمؤسسات الوطنية.
8. الإطار العام للانتقال إلى الانتخابات
يحدد الأسس السياسية والدستورية والقانونية اللازمة للانتقال إلى انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة، بما يضمن نزاهتها وشفافيتها وتكافؤ الفرص وقبول نتائجها.
وتُعرض الوثائق ذات الطبيعة التأسيسية والسيادية على الشعب الليبي للاستفتاء العام، وفق آلية قانونية وإجرائية واضحة ومعتمدة، وتكتسب الوثائق التي يقرها الشعب قوتها بوصفها مرجعية وطنية لاستكمال الدستور وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
سابعاً: كيف تعمل الجمعية؟
تعمل الجمعية وفق نظام داخلي وجدول زمني محدد، وبما يضمن الشفافية والمشاركة والانضباط المؤسسي.
وتتضمن آليات العمل المقترحة ما يلي:
عقد الاجتماع الأول خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين من اكتمال تشكيل الجمعية.
يرأس الجلسة الافتتاحية أكبر الأعضاء سناً.
انتخاب رئيس ونائب للرئيس ومقرر من بين الأعضاء.
اعتماد لائحة داخلية تنظم الاجتماعات واللجان وآليات اتخاذ القرار.
اعتماد التوافق الوطني أساساً لاتخاذ القرارات، واللجوء إلى آلية تصويت محددة في اللائحة عند تعذر التوافق، بما يمنع تعطيل أعمال الجمعية.
الاستعانة بالخبراء والأكاديميين والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.
فتح قنوات للتشاور العام مع المواطنين ومختلف المكونات الوطنية.
الالتزام بجدول زمني معلن ومحدد لإنجاز المهام.
إتاحة المعلومات المتعلقة بالاجتماعات والوثائق ومراحل العمل للرأي العام، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
وتتولى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إدارة أي استفتاء أو انتخابات تُحال إليها، وفق الإطار القانوني المعتمد والمعايير اللازمة للنزاهة والشفافية.
ثامناً: ما حدود صلاحيات الجمعية؟
من أهم ضمانات نجاح المبادرة أن تكون اختصاصات الجمعية محددة وواضحة، وألا تتحول إلى سلطة انتقالية جديدة.
لذلك، فإن الجمعية:
لا تمارس اختصاصات تنفيذية دائمة.
لا تمارس اختصاصات تشريعية دائمة.
لا تحل محل مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة أو الحكومة أو القضاء أو غيرها من مؤسسات الدولة.
لا تنشئ سلطة موازية أو أجهزة دائمة.
لا تتدخل في اختصاصات المؤسسات القائمة إلا في الحدود التي يحددها الترتيب الوطني والقانوني المنشئ لها.
وفي حالات الضرورة القصوى المرتبطة مباشرة بإنجاز مهمتها التأسيسية، يمكن أن تتخذ توصيات أو تدابير تأسيسية مؤقتة بالقدر اللازم لحماية مسار الانتقال السياسي والسلم الأهلي، على أن تكون محددة الغاية والمدة، وألا تنشئ سلطات دائمة أو تمس الحقوق والحريات الأساسية.
إن وضوح هذه الحدود ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو ضمانة أساسية لمنع تكرار تجربة الأجسام الانتقالية المفتوحة الصلاحيات والمدة.
تاسعاً: ما علاقة الجمعية بالمؤسسات القائمة؟
لا تقوم المبادرة على إلغاء المؤسسات القائمة أو الدخول في صراع معها، ولا تستهدف استبدال جسم سياسي بجسم آخر.
إنما تنطلق من حقيقة أن المؤسسات القائمة، على اختلاف أدوارها واختصاصاتها، مطالبة بالمساهمة في الوصول إلى حل وطني ينهي الانقسام ويعيد بناء الشرعية.
ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة المطلوبة تقوم على:
الحوار والتشاور مع المؤسسات الدستورية والسياسية القائمة.
احترام الاختصاصات القانونية للمؤسسات وعدم مصادرتها.
الوصول إلى ترتيب وطني توافقي يحدد أساس إنشاء الجمعية ومهمتها.
تجنب ازدواجية السلطات والقرارات والمؤسسات.
وضع مخرجات الجمعية ضمن مسار قانوني واضح يقود إلى الشرعية الدستورية الدائمة.
إن نجاح الجمعية يتطلب توافقاً وطنياً على دورها وحدودها ومخرجاتها، حتى تكون جسراً للعبور إلى الدولة، لا طرفاً جديداً في الأزمة.
عاشراً: كيف تنهي الجمعية المراحل الانتقالية؟
إن المهمة الأساسية للجمعية ليست إدارة مرحلة انتقالية أخرى، بل وضع الأسس والآليات التي تنهي المراحل الانتقالية بصورة نهائية.
ويتحقق ذلك عبر مسار مترابط:
المرحلة الأولى: التوافق والتأسيس
تشكيل اللجنة التحضيرية، وإجراء المشاورات الوطنية، وتشكيل الجمعية وفق آلية وطنية معتمدة.
المرحلة الثانية: بناء المرجعيات الوطنية
إعداد وإقرار وثائق العيش المشترك والمصالحة والرؤية الوطنية واللامركزية والأسس الدستورية وبناء الثقة وتمكين المشاركة المجتمعية.
المرحلة الثالثة: الاعتماد الشعبي
عرض الوثائق التأسيسية والسيادية على الشعب الليبي وفق آليات قانونية واضحة، حتى تكون الإرادة الشعبية هي أساس اعتمادها.
المرحلة الرابعة: استكمال المسار الدستوري والانتخابي
تهيئة الإطار الدستوري والقانوني والمؤسسي اللازم لإصدار الدستور الدائم وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الحرة والنزيهة.
المرحلة الخامسة: تسليم السلطة وإنهاء المهمة
تسليم السلطة إلى المؤسسات المنتخبة، وانتهاء المراحل الانتقالية، وانتهاء ولاية الجمعية الوطنية التأسيسية تلقائياً.
ولا يجوز إعادة تشكيل الجمعية أو تمديد ولايتها تحت أي مسمى بعد إنجاز مهمتها، وفق الضوابط الواردة في الوثيقة التأسيسية والترتيب القانوني المعتمد.
حادي عشر: ما الضمانات التي تمنع تحول الجمعية إلى مرحلة انتقالية جديدة؟
حتى لا تتحول الجمعية إلى تجربة أخرى من تجارب المراحل الانتقالية المفتوحة، ينبغي أن يقوم إنشاؤها وعملها على ضمانات واضحة:
تحديد مهمتها واختصاصاتها بصورة دقيقة.
اعتماد آلية وطنية معلنة لتشكيلها.
ضمان استقلالها عن أطراف الصراع ومراكز النفوذ.
تحديد مدة زمنية وجدول عمل معلن.
إخضاع مخرجاتها السيادية للإرادة الشعبية وفق آلية قانونية.
منع الجمع بين مهمتها التأسيسية وممارسة سلطات تنفيذية أو تشريعية دائمة.
اعتماد الشفافية والمساءلة وإشراك المواطنين في مراحل العمل.
النص على انتهاء ولايتها بتسليم السلطة إلى المؤسسات المنتخبة، وعدم إعادة تشكيلها أو تمديدها تحت أي مسمى.
إن نجاح المبادرة يقاس بقدرتها على إنهاء المرحلة الانتقالية، لا بإطالة عمرها أو توسيع صلاحياتها.
ثاني عشر: ما المطلوب من الليبيين والمؤسسات والمجتمع الدولي؟
من المواطن الليبي:
المشاركة في الحوار الوطني، وتقديم الرأي والمقترحات، ومناقشة الوثائق التأسيسية، والدفاع عن وحدة البلاد والمواطنة المتساوية، وممارسة حقه في اعتماد المخرجات أو رفضها وفق الآليات الشعبية والقانونية.
من النخب الأكاديمية والثقافية والقانونية:
الإسهام بالخبرة والمعرفة في صياغة الوثائق، وتقديم الدراسات والمقترحات، ونقد المبادرة وتطويرها بما يضمن جودتها وقابليتها للتطبيق.
من المؤسسات السياسية والدستورية:
التعامل مع المبادرة باعتبارها مقترحاً وطنياً للحل، والمساهمة في بناء التوافق حول إطارها القانوني والسياسي، وتجنب توظيفها في الصراع على السلطة.
من الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية:
الانخراط في الحوار، وتقديم الرؤى والمواقف، والالتزام بمبادئ التوافق والقبول المتبادل ورفض الإقصاء والعنف.
من المجتمع الدولي والأمم المتحدة:
دعم الملكية الليبية للعملية السياسية، وتشجيع الحوار والتوافق الوطني، وتوفير الدعم الفني والاستشاري عند الحاجة، ومساندة المسار الذي يتفق عليه الليبيون، دون فرض حلول أو ترتيبات تنتقص من سيادتهم وحقهم في تقرير مستقبل دولتهم.
ثالث عشر: الجمعية الوطنية التأسيسية ومبادرة 4+4
تندرج مبادرة الجمعية الوطنية التأسيسية ضمن رؤية وطنية أوسع لتجاوز الانسداد السياسي، ومن بين المداخل المطروحة في هذا السياق مبادرة 4+4، بوصفها مساراً للحوار والتوافق بين الأطراف المعنية، يمكن أن يسهم في الوصول إلى اتفاق وطني يحظى بقبول واسع.
ولا تمثل مبادرة 4+4 بديلاً عن المشروع التأسيسي، كما لا تمثل الجمعية غاية في حد ذاتها؛ فالأهم هو الوصول إلى توافق ليبي يحدد الطريق العملي والقانوني لإنهاء المراحل الانتقالية، واستعادة وحدة مؤسسات الدولة، والاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.
إن تعدد المبادرات لا ينبغي أن يكون سبباً لمزيد من الانقسام، بل فرصة للبحث عن أرضية مشتركة تضع مصلحة ليبيا فوق مصالح الأطراف.
ختاماً: من تعدد السلطات إلى سلطة الدولة
إن الجمعية الوطنية التأسيسية ليست مشروعاً للسلطة، ولا محاولة لإعادة توزيع المناصب، ولا دعوة لإضافة جسم سياسي جديد إلى الأجسام القائمة.
إنها مبادرة وطنية للتفكير في سؤال جوهري: كيف نخرج من الأزمة الليبية، لا بإدارة الانقسام، بل بإنهاء أسبابه؟ وكيف ننتقل من شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الشعب، ومن تعدد السلطات إلى سلطة الدولة؟
إن الطريق إلى الدولة لا يبدأ بانتخابات معزولة عن شروط نجاحها، ولا بتوافق مؤقت يعيد إنتاج الأزمة، بل ببناء أرضية وطنية ودستورية ومؤسسية يتفق عليها الليبيون، وتضمن أن تكون الانتخابات مدخلاً للاستقرار لا بداية لخلاف جديد.
وتظل الغاية النهائية هي ليبيا الموحدة، المدنية، الديمقراطية، كاملة السيادة، التي يحكمها الدستور والقانون، ويختار شعبها سلطاته بإرادته الحرة.
الجمعية الوطنية التأسيسية: إطار وطني لإنهاء المراحل الانتقالية، لا لإنتاج مرحلة جديدة.
نعم ليبيا... نعم لوطن يجمعنا، ودولة تحمينا، ومستقبل نصنعه معاً.
التأسيس بالمصالحة، والمصالحة بالتأسيس.
«اقرأ الوثيقة الكاملة لمبادرة الجمعية الوطنية التأسيسية