المثقف الليبي واسترداد المستقبل

المثقف الليبي... واسترداد المستقبل

 

تمر الأمم بمنعطفات تاريخية تتعرض فيها مؤسساتها للاهتزاز، وتتراجع فيها الثقة، ويغدو المستقبل ضبابيًا. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون دور المثقف ترفًا فكريًا أو نشاطًا هامشيًا، بل يتحول إلى ضرورة وطنية، لأنه الحارس الأمين للوعي، وصانع الأمل، والجسر الذي يصل الحاضر بالمستقبل.

 

لقد عاشت ليبيا سنوات طويلة من الانقسام والصراع، فاستنزفت الطاقات، وتراجعت المشاريع، وهاجر كثير من العقول، وسادت في بعض الأوساط ثقافة الإحباط والشك والعجز. غير أن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض بالسياسة وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة وحدها، وإنما تنهض أولًا بالفكرة التي توقظ الضمير، وبالكلمة التي تحرك الإرادة، وبالمثقف الذي يؤمن بوطنه قبل أن يطالب الوطن بالإيمان به.

 

والمثقف الحقيقي ليس من يكتفي بوصف الأزمات أو اجترار الماضي أو توزيع الاتهامات، وإنما من يمتلك القدرة على تحويل الألم إلى وعي، والاختلاف إلى حوار، واليأس إلى أمل، والأحلام إلى مشاريع قابلة للتحقيق. إنه لا يبيع الأوهام، ولا يزين الواقع، بل يقرأه بصدق، ويواجهه بشجاعة، ويقترح له طريقًا للخروج.

 

إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تتغذى على الإحباط، ولا إلى خطابات الكراهية والإقصاء، بل تحتاج إلى خطاب وطني جامع، يعيد الثقة إلى المواطن، ويؤكد أن المستقبل ليس قدرًا يُنتظر، وإنما مشروع يُصنع. وهنا تبرز مسؤولية المثقف في إعادة تشكيل الوعي العام، وفي ترسيخ قيم العمل، والإنتاج، والانتماء، وسيادة القانون، واحترام التنوع، والإيمان بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه.

 

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات الخارجة من الأزمات هو انتشار ثقافة العجز، حين يقتنع الناس بأن التغيير مستحيل، وأن الفساد قدر، وأن الانقسام مصير. وهنا يصبح المثقف مسؤولًا عن مقاومة هذا الاستسلام، بإحياء روح المبادرة، وتسليط الضوء على قصص النجاح، وإبراز النماذج الوطنية المضيئة، لأن الشعوب تتقدم بما تزرعه في وجدانها من ثقة، لا بما تمتلكه من ثروات فحسب.

 

إن مسؤولية المثقف لا تقتصر على كتابة المقال أو إلقاء المحاضرة، بل تمتد إلى المشاركة في صياغة السياسات العامة، ودعم مؤسسات التعليم، وتشجيع البحث العلمي، ورعاية الإبداع، وبناء جسور الحوار بين مختلف مكونات المجتمع. فالثقافة ليست نشاطًا منفصلًا عن التنمية، وإنما هي البيئة التي تنمو فيها التنمية، والروح التي تمنحها معناها واستمرارها.

 

وليس المطلوب من المثقف أن يكون تابعًا للسلطة، كما ليس مطلوبًا منه أن يكون خصمًا دائمًا لها؛ بل أن يكون ضميرًا حيًا للوطن، يساند كل مشروع إصلاحي، وينتقد كل انحراف بموضوعية ومسؤولية، واضعًا مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار. فالوطن لا يبنى بالمزايدات، وإنما يبنى بالشراكة بين الفكر والإدارة، وبين المعرفة والقرار، وبين النقد والحلول.

 

لقد آن الأوان لأن ينتقل المثقف الليبي من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، ومن دور المعلق على الأحداث إلى دور المشارك في صناعتها. فالأمم التي صنعت نهضاتها لم تنتظر المعجزات، وإنما صنعتها بعقول مفكريها، وإبداع علمائها، وإخلاص أبنائها.

 

إن استرداد المستقبل يبدأ باسترداد الثقة، واسترداد الثقة يبدأ باسترداد الوعي. وحين يستعيد المجتمع وعيه، يدرك أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التنوع مصدر قوة، وأن العلم هو الطريق الأقصر إلى التنمية، وأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن.

 

وليبيا، بما تملكه من تاريخ عريق، وموقع استراتيجي "قوة الجغرافيا" وعراقة التاريخ، وثروات كبيرة، وكفاءات علمية منتشرة في الداخل والخارج، ليست بلدًا يفتقر إلى الإمكانات، وإنما تحتاج إلى مشروع وطني جامع، وإلى قيادة واعية، وإلى نخبة ثقافية تتحمل مسؤوليتها التاريخية في إحياء الأمل، وإطلاق الطاقات، وبناء جسور الثقة بين المواطن والدولة.

 

إن المستقبل لا يُسترد بالحنين إلى الماضي، ولا بالاستسلام للحاضر، وإنما يُسترد بالإيمان بأن كل أزمة تحمل في داخلها فرصة، وأن كل جيل مسؤول عن كتابة صفحة جديدة في تاريخ وطنه.

 

ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مثقف ليبي على نفسه: هل أضيف إلى وعي الناس أم إلى إحباطهم؟ هل أبني الجسور أم أعمق الهوة؟ هل أزرع الأمل أم أكرس اليأس؟

 

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مكانة المثقف في ذاكرة الوطن. فالتاريخ لا يخلد أصحاب الأصوات الأعلى، بل يخلد أولئك الذين أناروا الطريق، وأيقظوا الضمائر، وأسهموا في صناعة مستقبل أوطانهم.

 

ولعل أعظم رسالة يحملها المثقف الليبي اليوم هي أن يقول لكل ليبي: إن الوطن لا ينتظر من ينقذه، بل ينتظر من يشارك في بنائه. وأن المستقبل ليس ميراثًا نرثه، بل أمانة نصنعها، ومسؤولية نتقاسمها، وحلمًا لا يتحقق إلا عندما نؤمن جميعًا بأن ليبيا تستحق الأفضل، وأن أبناءها قادرون على تحقيقه.

 

ا. د. احتيوش فرج احتيوش

 

There are no comments posted here yet

أترك تعليق

  1. Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
Attachments (0 / 3)
Share Your Location