
من الأزمة الليبية إلى التأسيس الوطني: مبادرة «4+4» ودور الجمعية الوطنية التأسيسية في بناء مسار للحل
إن جوهر الأزمة الليبية لم يعد محصورًا في الخلاف على تشكيل حكومة، أو التنازع على شرعية مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، أو الاختلاف حول القوانين الانتخابية ومواعيد الاستحقاقات. لقد أصبحت الأزمة، في جوهرها، أزمة دولة تبحث عن أساس دستوري وسياسي متوافق عليه، ومؤسسات تستمد شرعيتها من إرادة الليبيين، وسلطة قادرة على توحيد القرارين السياسي والأمني، وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة.
ومنذ عام 2011، تم إسقاط النظام ، ولم ننجح في بناء منظومة مستقرة تحل محله. وتوالت المبادرات والاتفاقات والحوارات، من الصخيرات إلى برلين إلى جنيف، ومن المسارات الدستورية والانتخابية إلى المبادرات الإقليمية والدولية، غير أن معظمها اصطدم بمشكلة جوهرية: كيف يمكن الاتفاق على قواعد الدولة المقبلة في ظل استمرار التنافس على مؤسسات الدولة القائمة، وتعدد مراكز القوة، وغياب مرجعية وطنية جامعة تحظى بقبول واسع؟
من هنا، فإن البحث عن حل للأزمة الليبية يقتضي الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة أسبابه، ومن التفاوض على تقاسم السلطة إلى التوافق على قواعد ممارستها، ومن تمديد المرحلة الانتقالية إلى وضع مسار واضح ومحدد ينتهي بتأسيس دولة ديمقراطية موحدة.
وفي هذا السياق، يبرز مسار «4+4» بوصفه صيغة للحوار بين ممثلين عن الأطراف السياسية، كما تبرز فكرة الجمعية الوطنية التأسيسية بوصفها مقترحًا وطنيًا يمكن أن يسهم في توسيع دائرة التوافق، ومعالجة ما قد يعجز التفاوض الثنائي عن حسمه، وصولًا إلى اتفاق قابل للتنفيذ، ومقبول وطنيًا، وقابل للحشد حوله على المستوى الأممي والدولي.
أولًا: «4+4» بين فرصة
تحريك الجمود ومشكلة التوافق الوطني
جاء اتفاق «4+4»، الذي وُقّع في طرابلس يوم 30 أغسطس 2026 برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في محاولة لتحريك العملية السياسية بعد سنوات من التعثر. وتضم صيغة الحوار المصغر ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للقوات في شرق ليبيا.
وتناول الاتفاق عددًا من الملفات التي ظلت تعطل الانتخابات، من بينها إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات المتعلقة بالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، والسعي إلى إجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية موحدة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يحاول الانتقال من الحوار العام إلى معالجة نقاط محددة ظلت عالقة لسنوات. غير أن الاتفاق كشف، في الوقت نفسه، عن المعضلة التي رافقت معظم المبادرات الليبية: هل يكفي اتفاق مجموعة محدودة من ممثلي القوى السياسية والأمنية لفتح طريق الحل، أم أن استدامة هذا الطريق تتطلب توافقًا وطنيًا أوسع ومرجعية قانونية واضحة؟
فقد رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق في أكتوبر، مستندًا إلى اعتراضات تتعلق بشرعية الإجراءات والتوافق المؤسسي، في حين أعلنت الأمم المتحدة استمرار العمل على دفع المسار وتوسيع دائرة المشاركة. وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن يوم 14 أكتوبر، أكدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه أهمية الاتفاق، وأشارت إلى أنها ستواصل التشاور بشأن آلية وطنية أوسع تمضي بالعملية السياسية إلى الأمام.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: قيمة الاتفاق بوصفه محاولة لفتح الطريق، ومدى اكتمال الشرعية والتوافق اللازمين لتنفيذه. فالتوقيع قد يخلق فرصة سياسية، لكنه لا يحل تلقائيًا مشكلة القبول الوطني، كما أن الاعتراض على بعض الإجراءات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق باب الحل.
ومن ثم، فإن التعامل مع «4+4» ينبغي ألا يكون بمنطق إما القبول بكل ما ورد فيه وإما إسقاطه بالكامل؛ بل بمنطق البناء على ما تحقق، ومعالجة الاعتراضات القانونية والمؤسسية، وتوسيع دائرة التوافق، حتى لا يتحول الاتفاق نفسه إلى حلقة جديدة في سلسلة الانقسامات.
ثانيًا: لماذا لا تكفي الحلول السياسية وحدها؟
تقوم الأزمة الليبية على تداخل ثلاثة مستويات لا يمكن معالجة أحدها بمعزل عن الآخرين.
1\. الأزمة السياسية والدستورية
تتمثل في تعدد مراكز الشرعية، واستمرار الخلاف حول القواعد الدستورية والقوانين الانتخابية، وتنازع المؤسسات على اختصاصاتها، وعدم الاتفاق على الطريق الذي ينقل البلاد من المرحلة الانتقالية إلى مؤسسات مستقرة تستمد شرعيتها من الانتخابات.
ولا يمكن حل هذه الأزمة بمجرد استبدال حكومة بأخرى؛ لأن المشكلة ستظل قائمة ما لم يُحسم السؤال المتعلق بقواعد الانتقال، وحدود السلطات، وآليات الرقابة والمساءلة، وكيفية تجديد الشرعية بصورة سلمية.
2\. الأزمة الأمنية والعسكرية
لا يمكن بناء دولة موحدة بقرار سياسي لا تسنده ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ. فاستقرار ليبيا يحتاج إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس مهنية ووطنية، وإخضاعها للسلطة المدنية والقانون، وإنهاء الازدواجية في سلاسل القيادة والقرار، ومنع استخدام القوة المسلحة وسيلةً لحسم الخلافات السياسية.
ولا يعني ذلك أن توحيد المؤسسات الأمنية يمكن أن يتم بمرسوم أو اتفاق سياسي فقط، بل يحتاج إلى مسار تدريجي يتضمن ترتيبات للقيادة والسيطرة، ومعايير مهنية واضحة، وضمانات متبادلة، وبرامج لإعادة الإدماج والتأهيل، ومعالجة أسباب ارتباط بعض التشكيلات المسلحة بمصالح محلية أو اقتصادية أو اجتماعية.
3\. الأزمة الاقتصادية والإدارية
تستمر الانقسامات السياسية والأمنية في التأثير على إدارة الموارد العامة، والإنفاق، والخدمات، وتوزيع المسؤوليات، وثقة المواطنين في المؤسسات. كما أن غياب الرقابة الفاعلة والشفافية يضعف قدرة الدولة على تحويل مواردها إلى تنمية وفرص عمل وخدمات عامة.
ولهذا، ينبغي أن يتضمن أي اتفاق سياسي التزامات قابلة للقياس بشأن توحيد المؤسسات المالية والإدارية، والشفافية في الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وتوزيع الموارد وفق قواعد معلنة، وحماية استقلال المؤسسات الرقابية.
إن التسوية السياسية التي لا تتعامل مع الأمن والاقتصاد ستظل معرضة للتعثر، كما أن الحل الأمني الذي لا يستند إلى توافق سياسي وشرعية وطنية لن ينتج دولة مستقرة، بل قد يعيد إنتاج الانقسام بأدوات مختلفة.
ثالثًا: من الاتفاق بين الأطراف إلى التوافق بين الليبيين
تحتاج ليبيا إلى التمييز بين الاتفاق الذي تتوصل إليه القوى المؤثرة، والتوافق الوطني الذي يمنح ذلك الاتفاق قبولًا أوسع.
فالأطراف السياسية والعسكرية تمتلك القدرة على تعطيل بعض المسارات أو تسهيلها، ولذلك فإن إشراكها في التفاوض ضرورة عملية. لكن مستقبل الدولة لا ينبغي أن يظل رهينًا بتفاهمات مغلقة بين القوى التي تمتلك النفوذ السياسي أو الأمني.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية وطنية أوسع، لا تهدف إلى إقصاء المؤسسات القائمة أو إنشاء مركز جديد للصراع، بل إلى فتح المجال أمام الليبيين للمشاركة في تحديد الأسس التي ستقوم عليها الدولة، والاتفاق على قواعد الانتقال إليها.
وهذا هو المجال الذي يمكن أن تؤدي فيه الجمعية الوطنية التأسيسية دورًا مكمّلًا لمسار «4+4»، إذا صُممت باعتبارها إطارًا وطنيًا للحوار والتوافق والتأسيس، لا باعتبارها بديلًا مفروضًا عن المؤسسات القائمة أو أداة لتجاوزها دون سند قانوني.
رابعًا: الجمعية الوطنية التأسيسية — من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة
إن فكرة الجمعية الوطنية التأسيسية تنطلق من سؤال جوهري: إذا كانت المؤسسات المتنازعة عاجزة عن الوصول إلى اتفاق نهائي يضمن انتقالًا مستقرًا، فلماذا لا نعمل على إيجاد إطار وطني أوسع يساعد على تجاوز الانسداد، ويضع مصلحة الدولة فوق المصالح المؤسسية الضيقة؟
المقصود هنا ليس إنشاء مجلس آخر يضاف إلى المجالس القائمة، ولا فتح مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية، بل بناء آلية محددة الأهداف والمدة والاختصاصات، تستند إلى توافق وطني واسع وإطار قانوني واضح، وتعمل على معالجة القضايا التي تتجاوز حدود التسويات السياسية المؤقتة.
ويمكن أن تقوم الجمعية الوطنية التأسيسية المقترحة على المبادئ التالية:
أولًا: الشمول الوطني. أن تعكس تنوع ليبيا الجغرافي والاجتماعي والسياسي، وأن تضم الكفاءات الوطنية وممثلي المجتمع المدني والشباب والمرأة والفعاليات المحلية، مع ضمان تمثيل متوازن للمناطق المختلفة، بعيدًا عن احتكار التمثيل من قبل القوى السياسية أو المسلحة.
ثانيًا: الاختصاص المحدد. ألا تتحول الجمعية إلى سلطة تشريعية أو تنفيذية موازية، بل تُحدد مهامها بوضوح، بما يشمل بناء التوافق على القواعد الدستورية والمؤسسية اللازمة للانتقال، ومعالجة الخلافات التي تعطل المسار الانتخابي، وتقديم مقترحات وطنية قابلة للاعتماد وفق الإجراءات القانونية المتفق عليها.
ثالثًا: المدة الزمنية الملزمة. أن تعمل وفق جدول زمني معلن، ومراحل واضحة، ومخرجات محددة، مع آلية لمتابعة التنفيذ، حتى لا تصبح الجمعية بدورها مرحلة انتقالية إضافية.
رابعًا: الاستقلالية والتوازن. أن تكون آلية تشكيلها وإدارتها شفافة، وأن تقوم قراراتها على الحوار والتوافق، مع قواعد واضحة للتصويت عند تعذر الإجماع، وضمان عدم هيمنة طرف واحد على مداولاتها أو نتائجها.
خامسًا: الشرعية الوطنية. أن تستمد الجمعية أساسها من اتفاق وطني معلن وإجراءات قانونية واضحة، وأن تحظى مخرجاتها بقبول المؤسسات المعنية والمجتمع الليبي، مع السعي إلى دعم أممي ودولي يحترم السيادة الليبية ولا يحل محل الإرادة الوطنية.
والأهم أن تكون الجمعية جسرًا للعبور إلى الدولة، لا وجهة جديدة للبقاء في المرحلة الانتقالية.
خامسًا: كيف يمكن للجمعية الوطنية التأسيسية أن تدفع بمسار «4+4» إلى الأمام؟
يمكن تصور علاقة تكاملية بين المسارين، تقوم على أن يظل «4+4» مدخلًا للتفاهم بين القوى المؤثرة، فيما تعمل الجمعية الوطنية التأسيسية على توسيع قاعدة التوافق الوطني، ومعالجة القضايا التي لا يستطيع الحوار المصغر حسمها وحده.
وتتطلب هذه العلاقة خمس خطوات مترابطة:
الخطوة الأولى: حماية ما تحقق في «4+4»
عدم إهدار ما أُنجز في الاتفاق، مع فتح باب الحوار حول الاعتراضات القانونية والمؤسسية، والبحث عن صيغ توافقية تعالجها دون العودة إلى نقطة الصفر.
الخطوة الثانية: توسيع التمثيل الوطني
الانتقال من التفاهم بين عدد محدود من الممثلين إلى آلية وطنية أوسع، تتضمن القوى السياسية والمكونات المجتمعية والمناطق والكفاءات المستقلة، وفق معايير معلنة.
الخطوة الثالثة: حسم الأساس القانوني
الاتفاق على المسار القانوني لاعتماد التسوية، وتحديد العلاقة بين المؤسسات القائمة والآلية الوطنية المقترحة، بما يمنع تضارب الاختصاصات أو إنشاء شرعيات متوازية.
الخطوة الرابعة: ربط التسوية السياسية بضمانات أمنية
وضع ترتيبات متدرجة لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتأمين العملية الانتخابية، وحماية النتائج، وضمان انتقال السلطة دون استخدام القوة أو تعطيل المؤسسات.
الخطوة الخامسة: تقديم مخرج وطني قابل للاعتماد
بلورة وثيقة توافق وطنية تتضمن الالتزامات والجدول الزمني والضمانات وآليات فض النزاع، ثم اعتمادها عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية المتفق عليها، وطلب دعم أممي ودولي لتنفيذها.
بهذه الصيغة، لا تنافس الجمعية الوطنية التأسيسية لجنة «4+4»، ولا تلغي دور مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة، وإنما تسعى إلى استكمال النقص في قاعدة التوافق، وتوفير إطار وطني لمعالجة المسائل التي قد تبقى عالقة رغم الاتفاق بين الأطراف المشاركة.
وهذه نقطة مهمة خصوصًا أن الاتفاق الموقع في أغسطس 2026 يتضمن آلية للتعامل مع تعذر إقراره من المؤسسات المعنية، فيما أكدت الأمم المتحدة في أكتوبر ضرورة العمل على آلية وطنية أوسع. لكن أي دور للجمعية التأسيسية يظل مقترحًا سياسيًا يحتاج إلى التوافق على تشكيله واختصاصاته وأساسه القانوني، ولا يُعد جزءًا معتمدًا من اتفاق «4+4» ما لم يُنص عليه صراحة.
سادسًا: التوافق الأممي — كيف نكسب دعم العالم دون أن نفقد ملكية الحل؟
إن الحصول على دعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ليس غاية مستقلة عن الحل الليبي، بل وسيلة لتثبيته وتوفير الضمانات اللازمة لتنفيذه.
وقد أظهرت التجارب الليبية السابقة أن وجود رعاية دولية لا يضمن وحده نجاح الاتفاق، كما أن التوافق بين بعض الأطراف المحلية لا يكفي دائمًا لتجاوز الخلافات المؤسسية. المطلوب هو الجمع بين الشرعية الوطنية والقبول المؤسسي والدعم الدولي.
ولكي تحظى أي تسوية جديدة بتوافق أممي أوسع، ينبغي أن تتوافر فيها العناصر التالية:
* ملكية ليبية واضحة: أن يكون الليبيون هم أصحاب المبادرة والقرار، وأن يكون دور الأمم المتحدة التيسير والمساندة وتوفير الضمانات، لا فرض الحلول.
* قاعدة قانونية متينة: أن توضح التسوية أساسها الدستوري والقانوني، وكيفية اعتمادها، وعلاقتها بالمؤسسات القائمة.
* تمثيل وطني واسع: ألا تقتصر المشاركة على أطراف التفاوض، بل تشمل القوى الاجتماعية والسياسية والمناطقية ذات الصلة، بما يوسع القبول بالنتائج.
* جدول زمني واقعي وملزم: يتضمن مراحل واضحة، ومواعيد قابلة للمتابعة، ومؤشرات لقياس التنفيذ، وآلية لمعالجة التعثر.
* ضمانات أمنية ومؤسسية: تحمي العملية السياسية والانتخابات، وتمنع استخدام القوة أو المؤسسات العامة لفرض إرادة طرف على آخر.
* آلية للمتابعة والمساءلة: تتيح رصد الالتزام بالاتفاق، ومعالجة الخلافات، وإعلان النتائج للرأي العام بشفافية.
ومن الضروري كذلك ألا يتحول الدعم الدولي إلى مجرد اعتراف سياسي بتوقيع وثيقة، بل أن يرتبط بتأييد مسار واضح يحترم السيادة الليبية، ويشجع التوافق، ويساعد على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
والجمعية الوطنية التأسيسية، إذا حظيت بقبول وطني وقانوني، يمكن أن تكون جزءًا من هذا المسار؛ إذ تمنح المجتمع الدولي شريكًا وطنيًا أوسع للحوار حول قواعد الدولة المقبلة، بدلًا من حصر العملية في المساومات بين المؤسسات والقوى المتنافسة.
سابعًا: نحو ميثاق وطني ينهي المراحل الانتقالية
إن ليبيا لا تحتاج إلى اتفاق آخر يضاف إلى أرشيف الاتفاقات، بقدر ما تحتاج إلى تسوية تُحدد بوضوح كيف تنتهي المرحلة الانتقالية، ومن يملك صلاحية اتخاذ القرارات خلالها، وكيف تنتقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة، وما الذي يحدث إذا تعثرت الخطوات المتفق عليها.
ومن هنا، يمكن أن تكون الفكرة المركزية للجمعية الوطنية التأسيسية هي إعداد ميثاق وطني للتأسيس والانتقال، يتناول القضايا التالية:
* تحديد المبادئ الدستورية الحاكمة للدولة الليبية، بما يضمن وحدتها وسيادتها، والمواطنة المتساوية، والتداول السلمي للسلطة.
* الاتفاق على قواعد قانونية واضحة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، بما يعالج الخلافات المتعلقة بشروط الترشح، وصلاحيات المؤسسات، وتسلسل الاستحقاقات.
* تحديد شكل السلطة التنفيذية خلال الفترة اللازمة للوصول إلى الانتخابات، وضمان خضوعها للرقابة والمساءلة وعدم استخدامها لمصلحة طرف سياسي.
* وضع مسار تدريجي لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، مع ضمان خضوعها للسلطة المدنية والقانون.
* اعتماد مبادئ الشفافية والعدالة في إدارة الموارد العامة، وتوحيد المؤسسات المالية والإدارية، وحماية استقلال الهيئات الرقابية.
* الاتفاق على آلية دستورية وقانونية لمعالجة الخلافات التي قد تعترض تنفيذ الميثاق، دون اللجوء إلى العنف أو فرض الأمر الواقع.
* تحديد المدة الزمنية للتأسيس والانتقال، والمخرجات التي تنهي المرحلة الانتقالية بصورة واضحة، مع منع تمديدها تلقائيًا.
ويجب أن تُصمم هذه المخرجات بما ينسجم مع المسار الانتخابي القائم، لا أن تؤدي إلى تأجيله دون ضرورة. فالجمعية التأسيسية ليست مبررًا لتعليق الانتخابات، وإنما يمكن أن تكون أداة لمعالجة العوائق البنيوية التي تحول دون إجرائها بصورة توافقية ومستقرة.
كما ينبغي ألا يُفترض أن الجمعية ستتولى بالضرورة كتابة دستور جديد أو اعتماد دستور بديل؛ فهذه مسائل تتطلب سندًا قانونيًا وتوافقًا صريحًا. ويمكن أن ينصب دورها على التوافق بشأن المسار الدستوري، أو تقديم مقترحات بشأنه، وفق ما يتفق عليه الليبيون.
ثامنًا: من التأسيس إلى المصالحة — الأمن والاستقرار ليسا نقيضين للديمقراطية
لا يمكن أن تستقر ليبيا بمجرد الاتفاق على توزيع المناصب، لأن الدولة لا تقوم على التوازن بين مراكز القوة وحده، وإنما على مؤسسات تحكمها قواعد معلنة ويطمئن المواطن إلى عدالة قراراتها.
ولهذا، ينبغي أن يتكامل المسار السياسي مع مشروع وطني للمصالحة، يعالج آثار النزاعات والانتهاكات، ويضمن حقوق الضحايا، ويشجع عودة النازحين والمهجرين، ويعالج المظالم المحلية، ويعزز الثقة بين المناطق والمكونات الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول المصالحة إلى تسوية تتجاوز العدالة أو تعفي من المسؤولية عن الجرائم، كما لا ينبغي استخدام المساءلة ذريعة لاستبعاد جماعات أو مناطق بأكملها من الحياة السياسية.
إن الأمن المستدام يقوم على ثلاثة أسس متكاملة: دولة تحتكر استخدام القوة المشروعة وفق القانون، ومؤسسات سياسية تستمد شرعيتها من المواطنين، ومجتمع يشعر أفراده بأن حقوقهم وكرامتهم مصانتان.
ومن هنا، فإن الجمعية الوطنية التأسيسية، إن أُنشئت بتوافق وطني، يمكن أن تفتح حوارًا حول العلاقة بين بناء الدولة والمصالحة الوطنية والإصلاح الأمني، بما يجعل الانتقال السياسي مشروعًا وطنيًا شاملًا، لا مجرد عملية انتخابية منفصلة عن واقع البلاد.
### خاتمة: لا نريد اتفاقًا يوقف الأزمة مؤقتًا، بل مسارًا يؤسس للدولة
إن اتفاق «4+4» يمثل محاولة لمعالجة جانب مهم من الانسداد السياسي الليبي، وقد وفر إطارًا لمناقشة بعض القضايا التي أعاقت الانتخابات سنوات طويلة. لكن الاعتراضات المؤسسية التي ظهرت حوله تؤكد أن نجاح أي اتفاق لا يتوقف على مضمون بنوده فحسب، بل يتطلب أيضًا شرعية إجرائية، وقبولًا وطنيًا، وآليات تنفيذ واضحة.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه الليبيون اليوم ليس: من ينتصر في الخلاف حول «4+4»؟ بل: كيف نحول أي تفاهم سياسي إلى بداية لمسار وطني ينهي الانقسام، ويؤسس لشرعية مستقرة، ويضمن انتقال السلطة دون العودة إلى المربع الأول؟
إن الجمعية الوطنية التأسيسية المقترحة يمكن أن تكون أحد الأجوبة الممكنة عن هذا السؤال، إذا قامت على التوافق لا الإقصاء، وعلى التكامل لا المنافسة، وعلى الاختصاص المحدد لا توسيع السلطات، وعلى المدة الزمنية الملزمة لا إنتاج مرحلة انتقالية جديدة.
ويمكن تلخيص العلاقة المنشودة في معادلة سياسية واضحة:
«4+4» لفتح باب الاتفاق، والجمعية الوطنية التأسيسية لتوسيع التوافق، والمؤسسات القانونية لضمان الشرعية، والدعم الأممي لتثبيت المسار، والانتخابات لتجديد السلطة، والمصالحة والإصلاح الأمني لبناء الاستقرار.
إن المطلوب ليس أن تحل الجمعية الوطنية التأسيسية محل اتفاق «4+4»، بل أن تسهم في تحويله، إذا توافرت شروط ذلك، من تفاهم محدود بين أطراف مؤثرة إلى مدخل لتسوية وطنية أشمل، تحظى بقبول الليبيين ودعم الأمم المتحدة.
فالدولة لا تُبنى بتوقيع اتفاق وحده، ولا بإجراء انتخابات وحدها، ولا بتوحيد المؤسسات بالقوة وحدها؛ بل تُبنى حين يتوافق المواطنون على قواعد مشتركة، وتخضع السلطات للقانون، ويصبح التداول السلمي للسلطة أمرًا ممكنًا ومضمونًا.
لقد آن لليبيا أن تنتقل من البحث عن تسوية تُدير الأزمة إلى مشروع وطني يُنهي أسبابها، ومن التفاوض على السلطة إلى التوافق على الدولة، ومن المراحل الانتقالية المتعاقبة إلى تأسيس دائم لشرعية وطنية جامعة.
فالتأسيس بالمصالحة، والمصالحة بالتأسيس؛ وكلاهما طريق إلى دولة واحدة، ذات سيادة، ومؤسسات موحدة، ومستقبل يقرره الليبيون بإرادتهم الحرة.