الجمعية الوطنية التأسيسية في لحظة التحولات الليبية: من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة

الجمعية الوطنية التأسيسية في لحظة التحولات الليبية: من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة

 

بقلم: الأستاذ الدكتور إحتيوش فرج إحتيوش

 

تشهد ليبيا تحولات سياسية واستراتيجية تتجاوز في دلالاتها حدود التغيير في رئاسة مجلس النواب، أو المصادقة على الاتفاقية البحرية الليبية التركية، أو الخلاف حول المناصب السيادية. فهذه التطورات، بالتزامن مع تفاهمات «4+4» واتفاق أغسطس، وردود الفعل المصرية واليونانية والقبرصية والأوروبية، تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة الليبية، وطبيعة مراكز القوة فيها، وموقعها في معادلات الأمن والمصالح الإقليمية والدولية.

إن ما يجري يستحق القراءة في سياق أوسع، تتداخل فيه حسابات الأمن القومي لدول الجوار، والمصالح الاستراتيجية في شرق المتوسط، والتحولات في العلاقات المصرية التركية، ومواقف القوى الدولية من استمرار الانقسام الليبي. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض وجود خطة دولية موحدة لإعادة تشكيل المشهد الليبي دون أدلة واضحة؛ فالمؤكد أن تعدد المصالح وتغير التحالفات قد يفتحان المجال أمام ترتيبات جديدة، لكنه لا يضمنان وحدهما بناء دولة مستقرة.

 

من التفاهمات السياسية إلى سؤال الشرعية

تمثل تفاهمات «4+4» واتفاق أغسطس محاولات لمعالجة بعض الانسدادات السياسية والمؤسسية، وفتح الطريق أمام استكمال المسار الانتخابي. كما تعكس التطورات المرتبطة بمجلس النواب والاتفاقية البحرية مع تركيا مدى تداخل السياسة الداخلية الليبية مع الحسابات الإقليمية.

غير أن السؤال الأهم يظل قائماً: هل تستطيع هذه التفاهمات أن تنهي الأزمة الليبية، أم أنها ستعيد ترتيب موازين القوى وتفتح الباب أمام مرحلة انتقالية أخرى؟

لقد أثبتت التجربة الليبية أن الاتفاق على الأشخاص والمناصب، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لبناء الدولة. فجوهر الأزمة يكمن في غياب تسوية دستورية مستقرة، واستمرار الانقسام المؤسسي والأمني، وتعدد مراكز القرار، وعدم الاتفاق النهائي على قواعد ممارسة السلطة وتداولها.

ومن هنا، لم تعد الحاجة مقتصرة على اتفاق سياسي جديد، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى مشروع وطني يعالج جذور الأزمة، ويضع حداً لتكرار المراحل الانتقالية.

 

ليبيا بين المصالح الإقليمية والسيادة الوطنية

تؤكد التطورات المتعلقة بالاتفاقية البحرية الليبية التركية أن القرارات الليبية قد تكون لها انعكاسات تتجاوز حدود البلاد. فتركيا تدافع عن الاتفاقية ومصالحها المرتبطة بها، بينما تعترض مصر واليونان وقبرص على جوانب من آثارها البحرية والقانونية، ويعبّر الاتحاد الأوروبي عن مخاوف تتعلق بحقوق الدول الثالثة.

وفي ظل هذه المواقف المتباينة، تحتاج ليبيا إلى سياسة خارجية تستند إلى تقييم قانوني وفني مستقل، وتحمي حقوقها البحرية والاقتصادية، وتحافظ على علاقاتها مع دول الجوار والشركاء الدوليين، وتمنع تحول أراضيها ومؤسساتها إلى ساحات للتنافس الإقليمي.

كما تبرز أهمية بناء علاقات متوازنة مع مصر والجزائر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة الليبية ووحدة الدولة.

إن مصلحة ليبيا لا تتحقق بالانحياز التلقائي إلى محور ضد آخر، بل بامتلاك مؤسسات شرعية قادرة على تحديد الأولويات الوطنية والتفاوض بشأنها من موقع الدولة، لا من موقع الأطراف المتنافسة على السلطة.

 

الجمعية الوطنية التأسيسية: فرصة للانتقال من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة

في هذا الظرف، تبرز مبادرة الجمعية الوطنية التأسيسية باعتبارها مقترحاً وطنياً يستهدف نقل النقاش من اقتسام السلطة إلى تأسيس الدولة، ومن إدارة الخلافات بين مراكز النفوذ إلى الاتفاق على قواعد دستورية ومؤسسية دائمة.

ولا تقوم الفكرة على إضافة جسم سياسي جديد إلى المؤسسات القائمة، أو الدخول في منافسة معها، بل على إيجاد مسار تأسيسي واضح، يستند إلى توافق وطني وقاعدة قانونية مشروعة، ويحدد كيفية الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى الدولة المستقرة.

 

ويمكن للجمعية أن تسهم في تحقيق ذلك من خلال خمسة مسارات رئيسية:

أولاً: بناء توافق وطني على قواعد الدولة.

فتح حوار شامل حول شكل الدولة ونظام الحكم، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والحقوق والحريات، وضمانات تداول السلطة سلمياً، بما يتيح تجاوز الخلافات المتكررة حول شرعية المؤسسات واختصاصاتها.

ثانياً: استكمال المسار السياسي القائم.

التعامل مع تفاهمات «4+4» واتفاق أغسطس باعتبارها فرصاً يمكن البناء عليها، مع ربط أي تقدم سياسي بجدول زمني واضح يقود إلى تسوية دستورية ومؤسسات دائمة، بدلاً من إنتاج ترتيبات انتقالية مفتوحة.

ثالثاً: توسيع قاعدة المشاركة والشرعية.

إشراك مختلف الأقاليم والبلديات والقوى المدنية والجامعات والنقابات والنساء والشباب والمكونات الاجتماعية في الحوار التأسيسي، حتى لا يظل مستقبل البلاد رهناً بتفاهمات محدودة بين القيادات السياسية والأمنية.

رابعاً: دعم المصالحة وتوحيد مؤسسات الدولة.

ربط المصالحة الوطنية ببناء مؤسسات موحدة وخاضعة للقانون، وتعزيز سلطة مدنية شرعية، والعمل على معالجة الانقسام الأمني والعسكري ضمن مشروع وطني متكامل، بعيداً عن الصفقات المؤقتة.

خامساً: وضع نهاية واضحة للمراحل الانتقالية.

تحديد اختصاصات الجمعية وطريقة تشكيلها وآلية اعتماد مخرجاتها، والضمانات القانونية اللازمة، والجدول الزمني لإنجاز مهمتها والانتقال إلى المؤسسات الدائمة، بما يمنع تحولها إلى مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية.

 

نحو شراكة دولية تدعم الحل الليبي

يمكن للجمعية الوطنية التأسيسية أن تقدم للمجتمع الدولي تصوراً مختلفاً للتعامل مع الأزمة الليبية، يقوم على دعم التأسيس الوطني، لا الاكتفاء بإدارة الخلافات بين الأطراف.

فبعثة الأمم المتحدة والدول المعنية باستقرار ليبيا تستطيع أن تدعم حواراً تأسيسياً ذا أهداف محددة، وأن تساعد على توفير الضمانات اللازمة لتنفيذه، مع احترام حق الليبيين في تقرير مستقبل دولتهم.

كما أن بناء مؤسسات شرعية ومستقرة من شأنه أن يهيئ أرضية أفضل للتعاون الدولي في ملفات الأمن والطاقة والهجرة وأمن المتوسط والتنمية الاقتصادية، وأن يحد من استخدام الانقسام الليبي في التنافس الإقليمي.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب وضوحاً منذ البداية بشأن مصدر شرعية الجمعية، وحدود اختصاصاتها، وعلاقتها بالمؤسسات القائمة، وكيفية إقرار مخرجاتها شعبياً أو دستورياً. فالتأسيس لا ينجح بمجرد إعلان المبادرة، بل بقدرتها على اكتساب الشرعية المجتمعية والقانونية وتحويل التوافق إلى التزامات قابلة للتنفيذ.

 

الخاتمة: هل تتحول لحظة التحولات إلى لحظة تأسيس؟

إن التطورات الراهنة لا تعني بالضرورة أن ليبيا دخلت مرحلة جديدة محسومة النتائج، لكنها تتيح فرصة لإعادة التفكير في مسار الحل، وفي الأسباب التي جعلت البلاد تدور لسنوات في حلقة من الاتفاقات المؤقتة والانقسامات المتجددة.

وإذا كانت التفاهمات السياسية تستطيع فتح نوافذ للحل، فإن المطلوب هو تحويل هذه النوافذ إلى طريق واضح لبناء الدولة، وإنهاء الانقسام، واستعادة السيادة، وإقامة مؤسسات تستمد شرعيتها من الدستور وإرادة الشعب.

وهنا تكمن الرسالة الأساسية للجمعية الوطنية التأسيسية: ألا تكون طرفاً إضافياً في صراع السلطة، بل إطاراً وطنياً للحوار حول قواعد الدولة التي يتساوى فيها الجميع، وتُحسم فيها الخلافات بالقانون، وتُمارس فيها السلطة وفق شرعية دستورية مستقرة.

فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه الليبيين اليوم ليس فقط: من سيكسب الجولة السياسية القادمة؟ بل: كيف نمنع أن تتحول هذه الجولة إلى بداية مرحلة انتقالية جديدة؟

إن الإجابة تبدأ من التأسيس الوطني، ومن بناء توافق حقيقي على الدولة ومؤسساتها ومستقبلها.

التأسيس بالمصالحة، والمصالحة بالتأسيس؛ فلا مصالحة مستدامة من دون دولة، ولا دولة مستقرة من دون شرعية دستورية يتوافق عليها الليبيون

https://www.facebook.com/share/p/1CFR4RNZae/

 

Screenshot 20260924 110757 Gallery.

There are no comments posted here yet

أترك تعليق

  1. Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
Attachments (0 / 3)
Share Your Location