رؤيتنا ومشروعنا الوطني

رؤيتنا ومشروعنا الوطني

من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة... ومن الانقسام إلى بناء المستقبل

أي ليبيا نريد؟ وكيف نصل إليها؟

إن الأزمة الليبية ليست مجرد أزمة سياسية تتعلق بتعدد الحكومات أو الخلاف حول شرعية المؤسسات أو تعثر الانتخابات، بل هي أزمة دولة وشرعية ومؤسسات، وأزمة ثقة وتوافق وطني حول طبيعة الدولة التي نريد بناءها ومستقبل الأجيال القادمة.

ومنذ التحولات التي شهدتها ليبيا عام 2011، ظل الوطن يتنقل بين مراحل انتقالية متعاقبة، واتفاقات سياسية متعددة، وحكومات ومؤسسات متنازعة، دون أن يتمكن من الوصول إلى تسوية وطنية مستدامة تؤسس لدولة موحدة ذات شرعية دستورية ومؤسسات مستقرة.

لقد أثبتت التجربة أن تغيير الحكومات والأشخاص، وتوقيع الاتفاقات السياسية، وإجراء الترتيبات المؤقتة، لا تكفي وحدها لبناء الدولة ما لم تتوافر رؤية وطنية مشتركة، ومرجعية دستورية متوافق عليها، ومؤسسات قادرة على ممارسة اختصاصاتها، وإرادة سياسية ومجتمعية تتجاوز المصالح الضيقة.

ومن هذا المنطلق، يطرح الحراك الوطني «نعم ليبيا» رؤيته لمشروع وطني يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، وينقل ليبيا من منطق المراحل الانتقالية إلى منطق التأسيس وبناء الدولة.

إننا لا نبحث عن تسوية مؤقتة تضاف إلى سلسلة التسويات السابقة، بل عن مسار وطني يعيد تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة، ويحدد قواعد الحكم، ويضمن الحقوق والحريات، ويوحد المؤسسات، ويعيد الاعتبار لإرادة الشعب وسيادة القانون.

أولاً: رؤيتنا – أي ليبيا نريد؟

نريد ليبيا دولة موحدة، مستقلة، ذات سيادة، مدنية وديمقراطية، تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والعدالة الاجتماعية.

نريد دولة تكون فيها المؤسسات فوق الأشخاص، والقانون فوق الجميع، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والجهوية والفئوية.

دولة لا تقوم على الإقصاء أو الانتقام، ولا تحتكر فيها السلطة أو الثروة، ولا يشعر فيها المواطن بأنه غريب في وطنه بسبب مدينته أو منطقته أو انتمائه الاجتماعي أو السياسي.

نريد دولة تحمي مواطنيها، وتصون حرياتهم، وتوفر لهم الأمن والعدالة والخدمات والفرص المتكافئة، وتدير ثرواتها بشفافية ومسؤولية، وتستثمر في الإنسان باعتباره أساس التنمية ومصدر قوة الوطن.

ونريد ليبيا فاعلة في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي والدولي، تحترم التزاماتها، وتحافظ على استقلال قرارها، وتسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الإقليمية والدولية.

ثانياً: مشروعنا الوطني – ماذا نريد أن نؤسس؟

إن مشروعنا الوطني لا يقتصر على معالجة الأزمة السياسية، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة للدولة والمجتمع، وفق المحاور التالية:

1. تأسيس الدولة والشرعية الدستورية

إن تأسيس الدولة يبدأ بالاتفاق على قواعدها الدستورية والقانونية، وتحديد طبيعة نظام الحكم، واختصاصات السلطات، والعلاقة بينها، وضمان استقلالها وتوازنها.

ونعمل من أجل:

الوصول إلى توافق وطني حول الأسس الدستورية للدولة.

تحديد نظام حكم يضمن التوازن بين السلطات ويمنع الاستبداد واحتكار القرار.

ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء.

ضمان التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

إنهاء المراحل الانتقالية وفق ترتيبات قانونية واضحة ومحددة المدة.

حماية الحقوق والحريات العامة والفردية.

2. المصالحة الوطنية وبناء الثقة

لا يمكن تأسيس دولة مستقرة دون مجتمع متصالح مع نفسه، ولا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية بمجرد الدعوة إلى التسامح أو تجاوز الماضي دون معالجة آثاره.

إن المصالحة الوطنية بالنسبة إلينا ليست ملفاً جانبياً، بل أحد أعمدة المشروع التأسيسي.

ونؤمن بضرورة:

معالجة آثار النزاعات والانتهاكات وفق القانون ومبادئ العدالة.

جبر الضرر وتعويض المتضررين وفق آليات عادلة.

ضمان عودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم وممتلكاتهم بأمان وكرامة.

تعزيز المصالحة بين المدن والمناطق والمكونات الاجتماعية.

ترسيخ ثقافة التسامح وقبول الاختلاف والتعايش السلمي.

إشراك الضحايا والمجتمعات المحلية في مسارات المصالحة.

إننا نؤمن بأن التأسيس بالمصالحة، والمصالحة بالتأسيس؛ فالمصالحة توفر البيئة الاجتماعية لبناء الدولة، والدولة العادلة توفر الضمانات اللازمة لاستدامة المصالحة.

3. توحيد المؤسسات وبناء قطاع أمني وعسكري وطني

إن وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية وخاضعة للسلطة المدنية والقانونية يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار الدولة وحماية سيادتها.

ونعمل من أجل:

توحيد المؤسسة العسكرية ضمن عقيدة وطنية جامعة.

بناء مؤسسات أمنية مهنية تحمي المواطن والدولة.

حصر استخدام القوة والسلاح في مؤسسات الدولة الشرعية.

إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية للقانون والرقابة.

دعم برامج إعادة التأهيل والدمج والتسريح وفق ترتيبات وطنية واقعية.

تعزيز أمن الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والإرهاب.

4. بناء اقتصاد وطني عادل ومنتج

إن الثروة الوطنية ملك لجميع الليبيين، ويجب أن تتحول إلى وسيلة لتحقيق الرفاه والتنمية والعدالة بين الأجيال والمناطق.

ونطمح إلى:

حماية المال العام وإدارة الموارد بشفافية.

تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وفق المصلحة الوطنية.

دعم القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية.

تحقيق عدالة التنمية وتوزيع الفرص بين مختلف المناطق.

مكافحة الفساد والاحتكار وسوء إدارة الموارد.

إنشاء منظومة مالية وإدارية حديثة وخاضعة للمساءلة.

5. بناء الإنسان وتطوير التعليم والصحة

إن الإنسان هو الغاية من بناء الدولة ووسيلتها في الوقت نفسه.

فلا قيمة لدولة تمتلك الثروات والإمكانات إذا لم تستثمر في تعليم أبنائها وصحتهم وقدراتهم وإبداعهم.

ونؤكد أهمية:

إصلاح منظومة التعليم العام والعالي.

تطوير التعليم الطبي والتدريب المهني والتقني.

ربط الجامعات ومراكز البحث العلمي باحتياجات التنمية.

بناء منظومة صحية وطنية ذات جودة وكفاءة وعدالة في الوصول إلى الخدمات.

دعم البحث العلمي والابتكار والتحول الرقمي.

الاستثمار في الشباب والمرأة وتوسيع مشاركتهم في الحياة العامة.

رعاية الطفولة والفئات الأكثر احتياجاً وذوي الإعاقة.

6. البيئة والتنمية المستدامة

إن حماية البيئة ليست ترفاً أو نشاطاً مكملاً، بل هي جزء من مسؤولية الدولة تجاه حاضر المجتمع ومستقبل الأجيال.

ونعمل من أجل:

حماية الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي.

معالجة التلوث وإدارة النفايات.

حماية المياه والموارد الساحلية والبحرية.

تطوير سياسات الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة.

مواجهة آثار التغير المناخي والتصحر وشح المياه.

إدماج البعد البيئي في التخطيط الاقتصادي والعمراني.

تعزيز المشاركة المجتمعية في حماية البيئة.

7. الإدارة المحلية واللامركزية

إن الدولة الموحدة لا تعني تركيز جميع السلطات والموارد في العاصمة، بل تعني وحدة السيادة والشرعية والمؤسسات، مع توزيع عادل للاختصاصات والموارد والمسؤوليات.

ونؤمن بأهمية:

تطوير الإدارة المحلية والبلديات.

تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في تحديد أولوياتها.

توزيع عادل للموارد والخدمات.

وضوح العلاقة بين السلطات المركزية والمحلية.

تعزيز الرقابة والمساءلة على المستوى المحلي.

8. الهوية الوطنية والعلاقات الخارجية

نؤمن بأن الهوية الليبية الجامعة تستوعب التنوع الثقافي والاجتماعي واللغوي لجميع مكونات المجتمع، وأن الوحدة الوطنية لا تقوم على إنكار الاختلاف، بل على احترامه ضمن إطار المواطنة المتساوية.

كما نؤمن بأهمية استعادة دور ليبيا الإقليمي والدولي، وبناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وصيانة استقلال القرار الوطني.

ثالثاً: كيف ننتقل من الرؤية إلى التنفيذ؟

إن الرؤية الوطنية لا تكتسب قيمتها من جمال صياغتها، وإنما من قدرتها على التحول إلى برامج ومؤسسات ونتائج ملموسة.

ومن هنا يطرح الحراك الوطني «نعم ليبيا» الجمعية الوطنية التأسيسية باعتبارها أحد المسارات المؤسسية المقترحة لترجمة هذه الرؤية إلى مشروع وطني متوافق عليه.

وتقوم الفكرة على إنشاء مسار تأسيسي محدد الاختصاص والمدة، يستند إلى توافق وطني واسع وإطار قانوني واضح، ويعمل على:

إطلاق حوار وطني شامل حول مستقبل الدولة.

إعداد وثائق تأسيسية تتناول القضايا الدستورية والسياسية والمجتمعية والاقتصادية.

بلورة رؤية وطنية متكاملة لنظام الحكم ومؤسسات الدولة.

الاتفاق على أسس المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات.

وضع ترتيبات قانونية ودستورية لإنهاء المراحل الانتقالية.

عرض المخرجات على الشعب وفق الآليات القانونية والديمقراطية المتفق عليها.

الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة وتسليم السلطة إلى مؤسسات منتخبة.

ولا تستهدف الجمعية الوطنية التأسيسية إنشاء سلطة موازية أو منافسة للمؤسسات القائمة، وإنما إيجاد إطار تأسيسي توافقي، بولاية محددة، تكون مهمته إعداد الأسس والوثائق اللازمة لبناء الدولة، دون تجاوز اختصاصاته أو الحلول محل السلطات الدستورية.

رابعاً: مبادرة 4+4 ومسارات التوافق الوطني

في ظل تعثر المسارات السياسية واستمرار الانقسام، تبرز الحاجة إلى مبادرات تساعد على فتح قنوات الحوار وتجاوز حالة الجمود.

ومن هذا المنطلق، ينظر الحراك الوطني «نعم ليبيا» إلى مبادرة 4+4 باعتبارها إحدى الأفكار المطروحة لفتح مسار تفاوضي بين الأطراف المعنية، يمكن أن يسهم في التوصل إلى تفاهمات وطنية تحظى بقبول أوسع.

لكن أي اتفاق سياسي، مهما كانت أهميته، ينبغي ألا يكون غاية في حد ذاته، بل خطوة ضمن مسار وطني أشمل ينتهي بتأسيس الدولة.

ونؤكد أن التوافق المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على توزيع المواقع والمناصب، بل يجب أن يتناول قواعد الشرعية، ومستقبل المؤسسات، والمصالحة، والأمن، والاقتصاد، والمرجعية الدستورية.

إن نجاح أي مبادرة سياسية يرتبط بمدى قدرتها على الانفتاح على الليبيين، وتوسيع قاعدة المشاركة، واحترام السيادة الوطنية، والالتزام بجدول زمني ومخرجات قابلة للتنفيذ.

خامساً: المبادئ التي تحكم مشروعنا الوطني

يقوم مشروعنا على مجموعة من المبادئ التي تمثل مرجعيتنا في الحوار والعمل الوطني:

وحدة ليبيا وسيادتها واستقلال قرارها.

الشعب مصدر السلطات والشرعية.

المواطنة المتساوية دون تمييز.

سيادة القانون واستقلال القضاء.

احترام حقوق الإنسان والحريات العامة.

التعددية السياسية والثقافية وقبول الاختلاف.

التداول السلمي للسلطة.

المصالحة الوطنية والعدالة وجبر الضرر.

الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد.

العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

رفض العنف والإقصاء والتطرف.

احترام إرادة الشعب والاحتكام إلى الوسائل الديمقراطية.

سادساً: من المسؤول عن بناء ليبيا؟

إن بناء الدولة مسؤولية وطنية مشتركة، لا يستطيع حراك أو حزب أو مؤسسة أو شخصية سياسية أن ينجزها بمفرده.

المواطن الليبي: شريك أساسي في صياغة المستقبل، من خلال المشاركة في الحوار الوطني، وتقديم الأفكار، وممارسة حقوقه السياسية، واحترام التنوع وقبول الاختلاف.

المؤسسات الوطنية: مطالبة بتحمل مسؤولياتها الدستورية والقانونية، والانفتاح على الحلول الوطنية، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفئوية.

الأحزاب والقوى السياسية: مطالبة بتطوير برامج وطنية تتجاوز التنافس على السلطة إلى تقديم حلول واقعية لقضايا الدولة والمجتمع.

الجامعات والنخب ومراكز البحث: مطالبة بالمساهمة العلمية والفكرية في إعداد الدراسات والبدائل والسياسات العامة.

الشباب والمرأة والمجتمع المدني: شركاء في التأسيس، وليسوا مجرد أطراف يجري الاستماع إليها بصورة شكلية.

الأمم المتحدة والمجتمع الدولي: مطالبة بمساندة التوافق الليبي، وتوفير الخبرة والدعم الفني والضمانات اللازمة لتنفيذ الاتفاقات، مع احترام السيادة الوطنية والملكية الليبية للعملية السياسية.

سابعاً: التزامنا ومسؤوليتنا

إن الحراك الوطني «نعم ليبيا» يطرح هذا المشروع باعتباره دعوة مفتوحة للحوار والمشاركة والنقد والتطوير.

ولا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو احتكار تمثيل الليبيين، ولا يعتبر أن الجمعية الوطنية التأسيسية مشروع مكتمل لا يقبل النقاش، بل يطرحها إطاراً وطنياً قابلاً للحوار والتطوير والتوافق.

ونؤكد استعدادنا للتعاون مع جميع الشخصيات والفعاليات والمؤسسات الوطنية التي تشاركنا الإيمان بوحدة ليبيا وسيادتها، وبناء دولة القانون والمؤسسات، ورفض الإقصاء والعنف، والاحتكام إلى إرادة الشعب.

إننا نؤمن بأن بناء الدولة يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وجرأة مراجعة التجارب، واستعداد الجميع لتقديم التنازلات المتبادلة من أجل المصلحة الوطنية.

ليبيا التي نريدها... مسؤوليتنا جميعاً

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط: من يحكم ليبيا؟ بل: كيف نؤسس دولة لا تتوقف على من يحكمها؟

ليس فقط: كيف ننهي الأزمة السياسية الحالية؟ بل: كيف نمنع تكرارها؟

وليس فقط: كيف نتقاسم السلطة والثروة؟ بل: كيف نبني دولة تحمي حقوق الجميع وتضمن عدالة توزيع الثروة والفرص؟

إن مستقبل ليبيا لا ينبغي أن يظل رهينة الصراعات السياسية أو الحسابات الشخصية أو التدخلات الخارجية.

نريد أن ننتقل من دولة الأزمات إلى دولة المؤسسات، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن المصالحة المؤقتة إلى التعايش المستدام، ومن المراحل الانتقالية إلى التأسيس الدستوري والديمقراطي.

نعم ليبيا... نعم لوطن يجمعنا، ودولة تحمينا، ومستقبل نصنعه معاً.

التأسيس بالمصالحة، والمصالحة بالتأسيس.

There are no comments posted here yet

أترك تعليق

  1. Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
Attachments (0 / 3)
Share Your Location